لم يعد مشروع الربط السككي في الشرق الأوسط مجرد فكرة نقل عادية، ولا حتى مشروعا تنمويا بالمعنى التقليدي الذي اعتدنا الحديث عنه في خطط الاقتصاد، بل إن المسألة أصبحت أعمق بكثير، لأننا أمام لحظة تتغير فيها قواعد اللعبة نفسها، وحيث تتحول الجغرافيا من عبء سياسي ثقيل إلى أصل استراتيجي ثمين، وفي الوقت ذاته تصبح الموانئ والسكك والطرق أدوات نفوذ حقيقية لا تقل وزنا عن الجيوش والتحالفات، بل وربما تتفوق عليها أحيانا عندما يتعلق الأمر بالاقتصاد والاستقرار والقدرة على التأثير.
وحين أعلنت السعودية أخيرا عن العمل على خط سككي يمتد من الخليج، مرورا بالأردن وسوريا، وصولا إلى تركيا، لم يكن ذلك مجرد خبر اقتصادي عابر، ولا مجرد مشروع بنية تحتية إضافي، بل كان في جوهره إشارة واضحة إلى أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة تماما، مرحلة يعاد فيها رسم خريطة التجارة العالمية، وتطرح فيها معادلة صريحة تقول إن من يسيطر على الممرات، يملك القدرة على التأثير في الأمن الدولي، وبالتالي يملك أيضا هامشا أوسع في القرار السياسي والاقتصادي.
وإذا نظرنا إلى الصورة الأوسع، سنجد أن الفكرة في ظاهرها تبدو بسيطة، لكن نتائجها بعيدة المدى، لأن العالم بعد جائحة كورونا، ثم بعد الحرب في أوكرانيا، ثم بعد اضطرابات البحر الأحمر، اكتشف حقيقة لم يعد بالإمكان تجاهلها، وهي أن سلاسل التزويد لم تعد مسألة لوجستية بحتة، ولا مجرد عملية نقل بضائع من ميناء إلى آخر، بل أصبحت مسألة سيادة وطنية وأمن قومي، وفي الوقت نفسه أصبح الاعتماد على مسار واحد للتجارة، خصوصا عبر مضيق أو قناة، مخاطرة استراتيجية لا تستطيع الدول تحملها في عالم يتغير بهذه السرعة.
ومن هنا بدأ البحث عن بدائل، ليس فقط من أجل تقليل الكلفة، بل من أجل تقليل المخاطر أيضا، ولذلك دخل الشرق الأوسط مرحلة مختلفة تماما، حيث لم يعد مجرد ساحة صراعات مفتوحة كما كان يوصف في الأدبيات السياسية القديمة، بل تحول تدريجيا إلى عقدة ممرات تتنافس عليها القوى الكبرى، وفي الوقت ذاته أصبح ساحة تنافس اقتصادي بامتياز، حتى وإن بقيت السياسة تراقب المشهد من الخلف وتحاول أن تضبط إيقاعه.
في هذا المسار تحديدا تظهر المنافسة المباشرة مع طريق قناة السويس، كما تظهر أيضا قدرة الدول المشاركة فيه على التأثير في حركة التجارة العالمية وفي توازناتها
وفي هذا السياق، فإن مشروع الربط السككي الذي يجري الحديث عنه اليوم لا يمكن النظر إليه كمشروع منفصل أو معزول، لأنه في جوهره جزء من مشروع أوسع يعرف باسم الممر الاقتصادي الهندي–الشرق أوسطي–الأوروبي، وهو المشروع الذي أعلن عنه في قمة العشرين في نيودلهي عام 2023، والذي يهدف إلى ربط الهند بأوروبا عبر موانئ الخليج، ثم عبر شبكة سكك حديدية تمر عبر السعودية والأردن وسوريا وصولا إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، وفي هذا المسار تحديدا تظهر المنافسة المباشرة مع طريق قناة السويس، كما تظهر أيضا قدرة الدول المشاركة فيه على التأثير في حركة التجارة العالمية وفي توازناتها.
وبكلمات أبسط، نحن لا نتحدث عن خط حديدي فقط، ولا عن مشروع نقل محدود، بل عن شبكة متكاملة تبدأ من موانئ الهند، ثم تعبر بحر العرب إلى الخليج، وبعد ذلك تتحرك شمالا عبر المشرق حتى أوروبا، وفي هذه الرحلة يعاد توزيع مراكز الثقل الاقتصادي في العالم، كما يوضع الشرق الأوسط في قلب المعادلة الدولية، لا على هامشها كما كان يحدث لعقود طويلة.
وفي هذا المشهد الجديد، لا يقف الأردن متفرجا، ولا يكتفي بدور الدولة التي تمر عبرها القطارات، بل يجد نفسه فجأة في قلب معادلة جغرافية جديدة، لأن موقعه لم يعد مجرد نقطة وصل بين دول، وإنما أصبح عقدة لوجستية يمكن أن تعيد تعريف اقتصاده بالكامل، وذلك لأن الدولة التي تمر عبرها التجارة لا تربح فقط من رسوم العبور، بل تربح أيضا من الخدمات، ومن الاستثمار، ومن الصناعة، ومن إعادة التصدير، ومن خلق منظومة اقتصادية كاملة تدور حول حركة البضائع، وبالتالي تتحول الجغرافيا من موقع ثابت إلى فرصة اقتصادية متحركة.
ومع ذلك، فإن الفرصة الكبيرة لا تأتي وحدها، بل تحمل في داخلها تحديات أكبر، لأن تحويل الموقع الجغرافي إلى قيمة اقتصادية حقيقية لا يتم بمجرد مد خط حديدي، بل يحتاج إلى دولة جاهزة، وإلى إدارة قادرة على اتخاذ القرار بسرعة، وإلى بنية مؤسسية تتحرك بإيقاع العالم الجديد، لا بإيقاع البيروقراطية القديمة التي نعرفها جميعا، والتي كثيرا ما كانت سببا في تأخير مشاريع مهمة.
هذا المشروع يمكن أن يكون نقطة تحول حقيقية في بنية الاقتصاد الوطني إذا ما تم التعامل معه باعتباره مشروع دولة، لا مشروع وزارة
هنا يظهر التحدي الأول بوضوح، وهو تحدي البنية التحتية، لأن الحديث عن الربط السككي يعني بالضرورة موانئ حديثة، ومناطق لوجستية متطورة، ومخازن، وساحات شحن وتفريغ، كما يعني أيضا تحديث شبكة الطرق، وتطوير أنظمة الجمارك، وتحسين كفاءة المعابر الحدودية، أي إننا نتحدث عن منظومة كاملة ومترابطة، لا عن سكة حديد معزولة عن محيطها.
أما التحدي الثاني فيرتبط بالزمن، لأن مشاريع الممرات العالمية لا تنتظر الدول المترددة، ولا تمنح مهلا طويلة لمن يتعامل معها بعقلية المشاريع التقليدية، وفي عالم سلاسل التزويد يصبح الوقت هو العملة الأغلى، ولذلك فإن الدولة التي تتأخر في التنفيذ قد تجد نفسها خارج المسار، حتى لو كانت جغرافيتها مثالية وموقعها استراتيجيا.
ويبقى التحدي الثالث، وربما الأعمق، ويتعلق ببناء بيئة اقتصادية جاذبة للاستثمار، لأن الخط الحديدي وحده لا يصنع اقتصادا، بل الاقتصاد يصنعه القطاع الخاص، والمستثمر، والصناعة، والخدمات، والقدرة على تحويل الفكرة إلى نشاط اقتصادي حي على الأرض، وهذا بدوره يتطلب جهدا خلاقا في تطوير التشريعات، وفي تحديثها، وفي جعلها قادرة على مواكبة إيقاع الاقتصاد العالمي.
وهنا تحديدا تظهر الفرصة الكبرى للأردن، لأن هذا المشروع يمكن أن يكون نقطة تحول حقيقية في بنية الاقتصاد الوطني إذا ما تم التعامل معه باعتباره مشروع دولة، لا مشروع وزارة، كما أنه ليس مشروعا اقتصاديا قصير الأمد، وليس مشروع نقل فقط، خصوصا أن التسريبات الراشحة من الفريق الحكومي تشير إلى توجه واضح لتركيز المشاريع التنموية المرتبطة بالممرات الكبرى في الجنوب، وتحديدا في محافظة معان، تلك المحافظة التي بقيت طويلا خارج خرائط التنمية رغم موقعها الاستراتيجي، والتي يبدو أنها مرشحة اليوم لتكون مركزا للمشاريع اللوجستية والصناعية المرتبطة بالممرات الجديدة، وفي الوقت ذاته يجري التركيز على المفرق شمالا لاستكمال الربط الاقتصادي والجغرافي مع سوريا، وبذلك تكتمل حلقة الاتصال بين الجنوب والشمال.
وإذا سارت الخطط كما يجري الحديث عنها اليوم، فإن الجنوب قد لا يشهد مجرد نشاط اقتصادي إضافي، بل قد يشهد تحولا حقيقيا في بنيته الاقتصادية، انتقالا من اقتصاد الانتظار إلى اقتصاد الحركة، ومن حالة التهميش إلى مرحلة انتعاش فعلي، وهو تحول قد يعيد رسم العلاقة بين الدولة وأطرافها، كما يمنح المحافظات الجنوبية دورا اقتصاديا حقيقيا بعد سنوات طويلة من الشعور بالتهميش.
الأهمية الحقيقية لهذا المشروع لا تكمن في الاقتصاد وحده، بل في الأمن أيضا، لأن سلاسل التزويد أصبحت اليوم جزءا من مفهوم الأمن الدولي
ومن الناحية الاقتصادية، يمكن لهذا المشروع أن يخلق الآلاف من فرص العمل المباشرة في مجالات النقل والخدمات اللوجستية والصيانة والتشغيل، إضافة إلى فرص غير مباشرة في الصناعة والتجارة والتخزين والتأمين، وبالتالي فإن تأثيره لن يكون محصورا في قطاع واحد، بل سيمتد إلى الاقتصاد كله، وفي الوقت نفسه يمكن أن يسهم تنمويا في إعادة توزيع النشاط الاقتصادي داخل الأردن، وأن يخفف الضغط عن العاصمة، وأن يمنح المحافظات دورا حقيقيا في دورة الاقتصاد الوطني.
ومع كل ذلك، فإن الأهمية الحقيقية لهذا المشروع لا تكمن في الاقتصاد وحده، بل في الأمن أيضا، لأن سلاسل التزويد أصبحت اليوم جزءا من مفهوم الأمن الدولي، ولذلك فإن الدول التي تستطيع ضمان تدفق البضائع والطاقة والغذاء حتى في أوقات الأزمات هي الدول التي تملك القدرة على الصمود سياسيا واقتصاديا، وهي الدول التي تحجز لنفسها مكانا ثابتا في النظام الدولي الجديد.
وفي عالم يتغير بهذه السرعة، ويتصاعد فيه التنافس على الممرات والموارد، يصبح السؤال الحقيقي ليس من يملك الطريق فقط، بل من يملك القدرة على أن يكون جزءا منه، والأهم من ذلك، من يملك الجرأة على تحويل مرور الطريق عبر أرضه إلى فرصة تاريخية لبناء اقتصاد أقوى، ودولة أكثر استقرارا، ومجتمع يشعر أخيرا بأن الجغرافيا القاسية تاريخيا، يمكن أن تتحول إلى فرصة حقيقية.Top of Form