موسم الحج 2026... جهوزية سعودية وسط التحديات

تدفق الحجاج الى مكة المكرمة على الرغم من ارتفاع تكاليف السفر والتوترات الإقليمية

لينا جرادات
لينا جرادات

موسم الحج 2026... جهوزية سعودية وسط التحديات

يتوجه المسلمون من أكثر من 180 دولة حول العالم، إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة في السعودية لأداء فريضة الحج، وتقدر أعداد الحجاج هذه السنة بنحو مليون ونصف مليون من داخل السعودية وخارجها. وبلغ عدد حجاج العام المنصرم 1.673 مليون حاج وحاجة، وتخطى عدد الوافدين عبر المنافذ الجوية 1.58 مليونا، فيما بلغ عدد الحجاج الوافدين عبر المنافذ البحرية 4 آلاف حاج وحاجة.

ويستند توزيع حصص الحجاج على الدول إلى "كوتا" أو قاعدة تقضي بتخصيص ألف حاج لكل مليون مسلم، بما يجعل الحصص مرتبطة بحجم السكان المسلمين في كل دولة، وفق نظام الحصص المعتمد في المملكة منذ عام 1988.

بلغ عدد المسجلين لموسم الحج 1447 هـ – 2026 حتى منتصف مايو/أيار، 860 ألف فرد من الذكور والإناث.

وبحسب بيانات "مبادرة طريق مكة" لعام 2024، أحد مشاريع "رؤية 2030"، التي تتيح للحجاج استكمال إجراءات دخولهم إلى المملكة من مطارات دولهم ونقلهم مباشرة إلى أماكن إقامتهم في مكة المكرمة والمدينة المنورة، فإن أكبر الجنسيات المستفيدة كانت إندونيسيا (39.9 في المئة)، وبنغلاديش (23.4 في المئة)، فباكستان (16.5 في المئة)، وماليزيا (9.5 في المئة)، من ثم تركيا (5.8 في المئة)، والمغرب (2.8 في المئة)، وساحل العاج (2 في المئة).

أكدت كل من إندونيسيا وباكستان أنها ستتحمل الزيادة في تكاليف رحلات الحج هذه السنة، الناتجة عن تداعيات حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز، لتجنيب الحجاج أي أعباء إضافية

تشمل المبادرة هذا العام 10 دول هي المغرب، وإندونيسيا، وماليزيا، وباكستان، وبنغلاديش، وتركيا، وساحل العاج، والمالديف وكل من السنغال وبروناي (للمرة الأولى).

تداعيات حرب إيران وارتفاع تكاليف السفر

بلغ عدد المسجلين لموسم الحج 1447 هـ – 2026 حتى منتصف مايو/أيار 2026، 860 ألف فرد من الذكور والإناث، على الرغم من الأحداث الدائرة في المنطقة التي ستلقي بظلالها على موسم هذا العام.

ومما لا شك فيه أن تكاليف أداء فريضة الحج، وهي مرتفعة أساسا، وتشهد ارتفاعا مستمرا منذ سنوات طويلة، يمكن أن تشكل أبرز العوامل التي قد تثني الراغبين بالحج عن القيام بهذه الفريضة في السنة الجارية. ويعود ذلك بشكل رئيس إلى ارتفاع أسعار تذاكر السفر بسبب زيادة تكاليف وقود الطائرات ومحدودية إمداداته نتيجة تداعيات حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز.

أ.ف.ب.

ففي مارس/آذار الماضي، قفزت أسعار وقود الطائرات عالميا من نحو 85–90 دولارا للبرميل إلى ما بين 150 و200 دولار للبرميل خلال فترة الأزمة الأخيرة. وأشار تقرير نشرته "رويترز" في أبريل/نيسان الماضي إلى أن أزمة الوقود أضافت أكثر من 100 دولار إلى تكلفة بعض الرحلات الطويلة للفرد الواحد. ومن المحتمل أن أسعار التذاكر قد تستمر في الارتفاع حتى انتهاء الحرب.

لا شك أن وقع هذه الزيادات سيكون ثقيلا بالنسبة للحجاج من الجنسيات كافة. وقال وزير الحج والعمرة الإندونيسي محمد عرفان يوسف إن تكاليف رحلات الحج ارتفعت من 6.69 تريليون روبية (نحو 410 ملايين دولار) إلى 8.46 تريليون روبية (نحو 520 مليون دولار)، بزيادة بلغت 1.77 تريليون روبية (نحو 109 ملايين دولار)، وهي ناجمة بشكل رئيس عن ارتفاع أسعار وقود الطيران وتذبذب العملات. وتشير البيانات إلى أن شركة الطيران الإندونيسية "غارودا إندونيسيا" طلبت إضافة نحو 974.8 مليار روبية (56.7 مليون دولار)، فيما طلبت الخطوط الجوية السعودية نحو 802.8 مليار روبية إضافية. وقدمت شركة "غارودا إندونيسيا" مقترحا لزيادة تكلفة الحج بنحو 7.9 ملايين روبية (464 دولارا) للحاج الواحد، نتيجة زيادة مدة الرحلات بنحو أربع ساعات وارتفاع استهلاك وقود الطائرات بنحو 12 ألف طن. كما اقترحت الخطوط الجوية السعودية زيادة قدرها 480 دولارا لكل حاج، على أساس وصول سعر وقود الطيران إلى 1.37 دولارا لليتر.

قد تصل تكلفة الحج في 2026 في إندونيسيا إلى 46.9 مليون روبية (نحو 2,875 دولارا) للحاج إذا استمرت الرحلات وفق مساراتها الحالية

وأوضح الوزير أن تكلفة الحج في 2026 قد تصل إلى 46.9 مليون روبية (نحو 2,875 دولارا) للحاج إذا استمرت الرحلات وفق مساراتها الحالية، بينما قد ترتفع إلى 50.8 مليون روبية (نحو 3 آلاف دولار)، في حال إعادة توجيه الرحلات الجوية. وأكد الوزير الإندونيسي أن الحكومة ستتحمل الارتفاع الحاد في تكاليف رحلات الحج، بما يضمن عدم تحميل الحجاج أعباء إضافية.

أما في باكستان، التي يشارك منها نحو 179,210 حاج هذا العام، فأكد وزير الشؤون الدينية الباكستاني سردار يوسف أن الحكومة لن ترفع تكاليف الحج على الحجاج الباكستانيين، على الرغم من الزيادة العالمية في أسعار النفط، بعد التوصل إلى اتفاقات مع شركات الطيران. علما أنه كان من المتوقع أن ترتفع تكاليف باقات الحج في باكستان لعام 2026 بنحو 5 إلى 15 في المئة تقريبا، مع تراوح أسعار الباقات الرسمية بين 1.15 مليونا و1.25 مليون روبية (نحو 4,128-4,487 دولارا) للحاج الواحد.

أ.ف.ب.
حجاج أفغان يصعدون الطائرة متوجهين إلى الحج، هيرات 27 أبريل 2026

أما الحجاج الهنود، فسيتعين عليهم دفع مبلغ إضافي قدره 10 آلاف روبية هندية (نحو 117 دولارا)، نتيجة "الظروف الاستثنائية" الناجمة عن الأزمة المستمرة في إيران. ومن المتوقع أن يتوجه ما مجموعه 175,025 حاجا من الهند إلى السعودية لأداء مناسك الحج هذا العام.

المصريون في طليعة الحجاج من العالم العربي

وعربيا، سيكون المصريون، وهم من أبرز مؤدي فريضة الحج، ممن يتحملون ارتفاع التكاليف هذا العام. وعلى الرغم من دخول المصريين موسم حج 2026 بتوقعات بانخفاض نسبي في التكاليف مقارنة بالعام المنصرم، نظرا لتراجع أسعار معظم برامج الحج بنسبة تراوحت بين 2 و5 في المئة، فإن الارتفاع الملحوظ في أسعار تذاكر الطيران قلص جزءا كبيرا من الوفورات المتوقعة. وأشار خبراء إلى أن أسعار الرحلات الجوية بين مصر والسعودية ارتفعت بنسب تراوحت بين 10 و15 في المئة خلال الموسم الحالي.

وارتفعت أسعار تذاكر السفر وتكاليف الإقامة بما رفع الأعباء إلى نحو 300 ألف جنية مصري أو ما يعادل 6,000 دولار للفرد الواحد في بعض برامج الحج.

8,900 دولار متوسط إنفاق الحاج الواحد، تشمل مختلف النفقات المرتبطة بأداء المناسك

وفي خطوة مماثلة لما قامت به إندونيسيا وباكستان، أعلن رئيس اللجنة الوطنية النيجيرية للحج، السفير إسماعيل أبا يوسف، أن الحكومة الفيديرالية تدرس حزمة من الإجراءات والسياسات لدعم شركات الطيران النيجيرية، بما في ذلك الناقلات المعتمدة لنقل الحجاج، بهدف تخفيف تداعيات الارتفاع العالمي في أسعار وقود الطائرات قبل موسم الحج.\

أ.ف.ب.
مئات الآلاف من المسلمين يصلون أمام الكعبة المشرفة، مكة 20 مارس 2026

يعتبر الحج ثاني أكبر مصدر للدخل في المملكة بعد النفط. وتقدر إيراداته بنحو 15 مليار دولار سنويا، مما يعني أن متوسط إنفاق الحاج الواحد يبلغ نحو 8,900 دولار، تشمل مختلف النفقات المرتبطة بأداء المناسك، فيما تبلغ إيرادات الحج والعمرة مجتمعة نحو 40 مليار دولار، أي ما نسبته 4-7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة.

واستشرفت "رؤية السعودية 2030" زخما متصاعدا لقطاع الحج والعمرة خلال السنوات المقبلة، عبر التوسع في البنية التحتية والخدمات واستهداف زيادة أعداد الزوار.

استثمارات سعودية لضمان حركة الحجاج وكفاءة الخدمات

تمثل الإيرادات من مواسم العمرة مصدرا مهما للدخل غير النفطي للسعودية، إذ ينفق المعتمرون، الذين ينتمون إلى طبقات اجتماعية مختلفة، مبالغ كبيرة على تذاكر السفر والإقامة والخدمات الدينية، إلى جانب التسوق والإنفاق في الأسواق المحلية، مما يدعم قطاعات الضيافة والتجزئة والنقل، في إطار مستهدفات برنامج خدمة ضيوف الرحمن ضمن "رؤية السعودية 2030" الرامية إلى توسيع مساهمة السياحة الدينية في الاقتصاد.

وبحسب دراسة لمركز السجيني للاستشارات الاقتصادية والإدارية، يخصص 40 في المئة من إنفاق الحجاج للسكن و31 في المئة للنقل والمواصلات ثم الهدايا بنسبة 14 في المئة والغذاء بنسبة 10 في المئة وهناك 5 في المئة للنفقات الأخرى المتنوعة.

قدرت الأموال التي أنفقت على تحسين البنية التحتية والتوسع وتطوير المناطق المحيطة خلال السنوات المنصرمة بنحو 100 مليار دولار

وفي مقابل الإيرادات المتأتية من الحج والعمرة، تواصل السعودية الاستثمار في تطوير ورفع كفاءة الخدمات المقدمة في مرافق الحرم المكي والمسجد النبوي. وتتمثل هذا الخدمات في تنظيف المرافق وصيانتها أو تحسينها ومشاريع التوسعة من أجل رفع الطاقة الاستيعابية لاستقبال ملايين المصلين. ففي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أطلق ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، مشروعا تطويريا بجوار المسجد الحرام في مكة المكرمة، من شأنه إضافة نحو 900 ألف مساحة صلاة داخلية وخارجية. ويهدف المشروع، الممتد على مساحة 12 مليون متر مربع، ويحمل اسم "بوابة الملك سلمان"، إلى تحسين الوصول إلى المسجد الحرام، وفق ما أعلنته شركة "رؤى الحرم المكي". ويعتبر التحديث والتطوير من الأعمال المستمرة التي تتضمنها الخطط السنوية.

.أ.ف.ب

وقدرت الأموال التي أنفقت على تحسين البنية التحتية والتوسعة وتطوير المناطق المحيطة خلال السنوات المنصرمة بنحو 100 مليار دولار، في مشاريع تشمل "مشروع مسار" الذي يضم مرافق عدة بينها مرافق للضيافة والترفيه، و"مشروع رؤى المدينة" الذي ستبلغ قيمة مشاريعه الإجمالية بعد التطوير 140 مليار ريال (نحو 37 مليار دولار).

ويبرز قطاع الضيافة في مقدم القطاعات التي تجذب الاستثمارات المرتبطة باستقبال ضيوف الرحمن. وتشير تقديرات شركة "نايت فرانك" إلى أن نحو 252 ألف غرفة فندقية يخطط لإنشائها أو الإعلان عنها أو تنفيذها حاليا في مكة المكرمة والمدينة المنورة وحدهما، على أن تسلم في حلول عام 2030، فيما يتركز 64 في المئة من هذه المشاريع ضمن فئتي الأربع والخمس نجوم. وتتولى وزارة السياحة هذا العام مسؤولية الإشراف الكامل على قطاع إسكان الحجاج في مكة المكرمة، إذ أطلقت خدمة تراخيص "النزل المؤقتة" المخصصة للحجاج، التي أسهمت في إضافة أكثر من 566 ألف سرير إلى القطاع، ضمن إطار منظم ومعايير واضحة ترتقي بجودة الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن، وتنوّع خيارات سكنهم.

وقد أخذت السعودية على عاتقها توفير الإمكانات اللازمة كافة لتيسير أداء فريضة الحج وشعائر العمرة بما يخفف العناء على زوار بيت الله الحرام.

font change