صرح الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير في بيروت يوم 16 فبراير/شباط 2026، بضرورة تأكيد التوجه الوطني نحو ترسيخ سيادة الدولة الكاملة. وأكد الرئيس عون أن اللبنانيين "تعلّموا من تجاربهم السابقة وتجارب الدول الصديقة، ومنها ألمانيا"، وما مرت به من تجربة الوحدة وإعادة البناء بعد هزيمتها في الحرب والتقسيم، مشددا على ضرورة توافر "الإرادة الحرة والموحّدة"، وإسقاط جدران الحقد التي خلّفتها الاحتلالات والوصايات الأجنبية المتعاقبة، والعمل على إعادة بناء ما تهدم بقرار وطني جامع يضع مصلحة لبنان أولا. وتأتي في مقدمة ذلك ضرورة حصر السلاح بيد القوات المسلحة الشرعية وحدها، معتبرا أن ذلك شرط أساسي لتحقيق الاستقلال الناجز وبسط سلطة الدولة وسيادتها على كامل أراضيها دون شريك.
تتزامن هذه التصريحات مع حلول الذكرى المئوية لصدور الدستور اللبناني في مايو/أيار 1926، بوصفه الوثيقة الأسمى في الدولة التي رسمت هويتها الوطنية ونظمت سلطاتها وتوازناتها الطائفية والسياسية. كما تأتي هذه الذكرى في لحظة تاريخية دقيقة، حيث يسعى البلد إلى استعادة عافيته بعد عقود من الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية التي أضعفت مؤسساته وفتحت الباب أمام تعددية السلاح والولاءات، وتعكس إصرارا على تحويل الذكرى إلى فرصة حقيقية لتعزيز المؤسسات الدستورية، وإنهاء مرحلة التشظي، على أمل أن تكون مئوية دستور لبنان نقطة تحول نحو استعادة دور الدستور كوثيقة للعيش المشترك والسيادة الوطنية الكاملة وبناء دولة قوية موحدة تحمي سيادتها وتضمن أمن مواطنيها وسلامة أراضيها.
التعريف بالدستور اللبناني وظروف إصداره
يُعد الدستور اللبناني الصادر عام 1926 أقدم دستور عربي لا يزال ساريا ومعمولا به حتى الآن مع الاحتفاظ بإطاره الأصلي دون إلغاء كامل لنصوصه، لكن مع تعديلها مرات عدة. كما يعتبر كذلك أقدم دستور جمهوري عربي، وضع أسس أول جمهورية عربية منظمة بشكل كامل في المنطقة العربية ضمن السياق الحديث. ويشكل الدستور اللبناني بوصفه الوثيقة الأسمى في الدولة اللبنانية انعكاسا للظروف التاريخية التي مرت به في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وما صاحب ذلك من تفكك الدولة العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى.
فقد كان لبنان تحت حكم الدولة العثمانية مباشرة منذ عام 1516، وحتى اندلاع الفتنة الطائفية الكبرى عام 1860 بين الدروز والموارنة التي استغلتها الدول الأوروبية للضغط على السلطان العثماني والتوصية بنظام إداري وقضائي جديد للبنان يحول دون تكرارها، ففرضت الدول الأوروبية مجموعة من الاتفاقيات الدولية بين عامي (1860-1864) سميت باسم "اتفاقيات التنظيم القانوني"، والتي أدت إلى تأسيس "متصرفية جبل لبنان" وصدور "النظام الأساسي لجبل لبنان".


