ابتكر المؤرخون العرب بخطابهم الـتاريخي للأزمات، ما يسمى "تلطيف الهزائم"، من النكبة 1948 إلى النكسة 1967 إلى الاجتياح 1982، وجميعها كانت سنوات بلاء وخسارات، فيما إسرائيل لا تُرقّي عملياتها إلى اسم حرب، حتى وإن كانت منتصرة بها، إلا بعد أن تحصد ما تحصد وتحتل ما تحتل.
وليونيو/حزيران والعرب مع إسرائيل ذاكرات مؤلمة، من نكسة 1967 إلى يونيو/حزيران 1982 حيث غزو لبنان ودخول عمقها، إلى الراهن اليوم الذي يُعلن فيه نتنياهو اجتياز نهر الليطاني وتهديد بيروت، وفي هذا الراهن المعقد يُصر "حزب الله" على أنه مانع للعدو، مع أنه لم يملك حماية قياداته، لا بل في ظل الظرف الحرج يهدد بإسقاط حكومة وطنية، لم تأتِ على مقاس مرجعياته في قُم وطهران، وتلك حالة انفصال وطني لا تقل فداحة عن اعتداء العدو على لبنان.
الواقع اللبناني اليوم يثير السؤال عن الكيفية التي عولجت بها سردية غزو إسرائيل للبنان في يونيو/حزيران 1982، وقد أُطلق على ذلك الحدث، عدة تسميات، منها: "الغزو" و"الاجتياح" و"الحرب" و"العدوان" وبعد أربعة عقود ونيف، ما زالت الأسرار والملفات تظهر من جديد، وبقيت هذه الأزمة حاضرة في خطاب الوطن الموحّد الممانع، وفي خطاب الطائفية السياسية والمقاومة.
كتب الكثيرون عن هذه الأزمة، لكن الأهم أن نتذكر أن هذه الحرب لم يكن طرفاها لبنان الدولة، ودولة الاحتلال الإسرائيلي، بل إن الفصائل الفلسطينية اعتبرت طرفاً ثالثاً، لكن أزمة لبنان قبل 44 عاما لم تكن بلا رواسب الماضي في العمق الوطني، فالحرب الأهلية اللبنانية 1975-1990، والتي تخللها اجتياح إسرائيل للدولة اللبنانية، لم تكن وليدة حادثة عين الرمانة في الثالث عشر من أبريل/نيسان 1975، ولكنها ذات جذور أعمق تعود لزمن المتصرفية والحرب الأهلية الأولى عام 1841، ونظام جبل لبنان الذي أُقر في السادس من سبتمبر/أيلول 1864، وأسهم مباشرة في تعميق الطائفية، وحركة يوسف كرم 1864، وزادت الأزمة مع الحكم الانتدابي، ثم مع وضع الميثاق الوطني عام 1943، الذي وإن كان اتفاقاً عرفياً، فإنه ظل حجر الزاوية في علاقات الطوائف الدينية المختلفة ضمن إطار الكيان اللبناني.
اليوم تتوغل إسرائيل مرات إلى ما بعد الليطاني، ويهدد نتنياهو بما هو أوسع، وفي كل مرة يعود كما عاد سلفة شارون ليعلن انتصاراً جديداً، ووكلاء المقاومة يشددون على الصمود والرد، الذي يتجاوز رأي الدولة والمؤسسة العسكرية الوطنية، لكنه لم يأتِ إلا بالدمار والخراب
هذه الحرب/الاجتياح لم تخضع للمساءلة، ولم يتعامل معها الفكر التاريخي العربي بمنطق الحدث الجسيم الذي يستدعي التدبر والتحليل، فهل كانت هذه الحرب غير كافية في سلسلة الهزائم العربية لكي تدفع بالمفكر العربي والمؤرخ المهتم بالزمن السياسي المعاصر، مباشرة نقده للماضي والحاضر من أجل المستقبل أو تعديل الراهن كضرورة؟
وقع تبادل الحدث اللبناني في حرب 1982 في عدة صور، سواء من منطق التاريخ اللبناني الصرف المنشغل بالطائفة أكثر من الوطن، أو من خلال تاريخ المقاومة في مداها الطويل الذي طغى على تواريخ أخرى كانت مهمة أيضاً، وما زالت تحتضن أسئلة مغلقة.
من الناحية الاجتماعية، حاول فؤاد إسحق الخوري أستاذ علم الأنثروبولوجيا في الجامعة الأميركية حتى عام 1987 في دراسةٍ لتفسير الأزمة، تحليلَ الأبعاد الاجتماعية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية، ومنها ازدياد الهوة بين وسط بيروت والجبل والمناطق الأخرى، وكذلك بين النخبة والجماهير، وكثرة الإنتاج الصناعي والحيواني، ونزوح السكان الكثيف من الريف إلى المدن، هذا بالإضافة إلى نزوح الطوائف المسيحية من الريف إلى المدن الساحلية بعد انحسار صناعة الحرير، ولاحقاً نزوح الطوائف الإسلامية من الجنوب والشمال حتى الخمسينات والستينات والسبعينات بعد احتلال فلسطين بالكامل.
كانت لبنان هدفاً سهلاً للتناول حتى جاء تاريخ الرابع من يونيو 1982
خلال هذا الضغط والتحول، برزت المقاومة الفلسطينية في الساحة اللبنانية التي انتقلت لها من الأردن بعد أحداث الأمن الداخلي (أيلول الأسود) ولأسباب عديدة، على رأسها التناقض الطائفي في لبنان، فإن تلك الوضعية جعلت دخول المقاومة الفلسطينية سهلاً إلى الدولة والمجتمع، وبذات الوقت استغلت واستقطبت المقاومة للقوى السياسية اللبنانية، لكي تنال أهدافها المحلية فصارت المقاومة جزءاً من حالة الرفض اللبناني لجماعات مغبونة ومحرومة وأحزاب وعقائد سياسية كانت ممنوعة من ممارسة نشاطها قبل أن تلتحق بالمقاومة أو تتبنى خطها السياسي، ولاحقا باتت المقاومة مما يراهن عليه لتوسيع نفوذ الأقطاب بين الزعامات اللبنانية.
مع تصاعد العمل الفدائي الفلسطيني بعد عام 1973، دخل الجنوب اللبناني في الرابع عشر من مارس/آذار 1978 في أوسع هجوم إسرائيلي (عملية الليطاني). بيد أن اجتياح الليطاني، الذي كان مدمراً وكارثياً وتسبب بهجرة بشرية لم تكن نهاية المطاف، بل هو أشبه بمقدمة للاجتياح الإسرائيلي عام 1982، للجنوب والبقاع وصولاً إلى بيروت، والذي كان بداية لزمن، ونهاية لزمن آخر.
هذا الزمن الآخر، كان جديداً مع حكومة مناحيم بيغن الثانية التي فازت بثقة الكنيست الإسرائيلي في 5 أغسطس/آب 1981، وهذا الزمن الآخر لا يخضع لكبير اهتمام المؤرخين، الذين عادة ما أخضعوا الاجتياح الإسرائيلي إلى تفاعل الداخل اللبناني وارتباطه بالقضية الفلسطينية بشكل أوسع من الإحاطة بجملة الظروف الأخرى إقليمياً، وعلى رأسها الحرب العراقية-الإيرانية والنظام السياسي في سوريا، ودخوله إلى لبنان كطرف مُهيمن على مصائر الدولة، وهي لحظة شابهت الهيمنة الإيرانية على مصير لبنان من قبل إيران بأدوات "حزب الله".
ومن زمن العمل الإسرائيلي إلى الليكود، كانت لبنان هدفاً سهلاً للتناول حتى جاء تاريخ الرابع من يونيو/حزيران 1982، واتخذت الحكومة الإسرائيلية قرار الحرب باسم عملية "سلامة الجليل"، التي سميت لاحقاً بـ"حرب شارون" و"عام الاجتياح" الذي انتهى بقرار الحكومة الإسرائيلية في 19 أغسطس بالموافقة على صيغة معدلة لاتفاق الانسحاب، والتي أعرب بعدها شارون أن الحرب حققت أهدافها.
اليوم تتوغل إسرائيل مرات إلى ما بعد الليطاني، ويهدد نتنياهو بما هو أوسع، وفي كل مرة يعود كما عاد سلفة شارون ليعلن انتصاراً جديداً، ووكلاء المقاومة يشددون على الصمود والرد، الذي يتجاوز رأي الدولة والمؤسسة العسكرية الوطنية، لكنه لم يأتِ إلا بالدمار والخراب.