من الأمور التي يتميز بها الأديب، ويعاني منها في الوقت نفسه، اضطراره إلى استخدام مستويين أو أكثر من التعقل والتصرف، في حياته الفكرية والعملية على السواء. المستوى المحبب لديه هو الذي يختاره بإرادته ويحققه بكفاءته، وهو الذي يخاطب من خلاله نظراءه. والمستوى الذي يمقته ويجد نفسه متورطا فيه، هو الذي يجعله يراعي ظروفا عامة تفرض نفسها عليه، ولا يملك دفعا أو تفاديا للتعامل معها.
والأديب ليس وحيدا في هذه المعاناة وفي ذاك التميز، فكل عامل في حقل من حقول البحث عن المعرفة والجمال من شأنه أن يشاركه العيش في مثل هذه التجربة. هكذا نجد إلى جانب الأدباء الفلاسفة والعلماء والفنانين على اختلاف ميولهم واتجاهاتهم. كل واحد من هؤلاء يود اجتذاب العامة أو الجمهور إلى أفق أو منطق لا يصلح إلا للخاصة أو النخبة. ولأنه يختبر ذلك ويتحقق منه، يعيش ازدواجية قسرية تورثه ألوان القلق. وإذا بعقله عقلان: الأول يتناسب مع طبيعة عمله، حيث يشعر بأنه منتج ومبتكر، والثاني يتناقض مع طبيعة عمله، حيث يجد نفسه مدعوا إلى التكيف مع ظروف الحياة العادية أو المبتذلة. فهو لا يستطيع العيش في عزلة كلية، ويضطر إلى أنواع من المراعاة أو المجاملة أو التظاهر بحب ما لا يحب.
في المأثورات الأدبية والفكرية، نجد إشارات كثيرة إلى ما رمينا إليه. نتوقف أولا عند بعض ما ورد في كتاب ابن المقفع "الأدب الكبير والأدب الصغير"، وذلك في كلامه عن "العاقل" وعن بعض الصفات التي يجدها فيه: "على العاقل أن يجعل الناس طبقتين متباينتين، ويلبس لهما لباسين مختلفين. فطبقة من العامة يلبس لهم لباس انقباض، وتحفظ في كل كلمة وخطوة. وطبقة من الخاصة يلبس لهم لباس الأنس واللطف والبذلة والمفاوضة... ولا يدخل في هذه الطبقة إلا واحد من ألف، كلهم ذوو فضل في الرأي، وثقة في المودة، وأمانة في السر، ووفاء في الإخاء".
من جهته، جعل ابن رشد الناس في فئات، وطلب في كتابه "فصل المقال" من الفئة الأولى أو العليا (فئة البرهانيين التأويليين) أن لا تخاطب الفئة الدنيا أو العامة (فئة الخطابيين). فهو يقول: "لا يجوز أن يكتب للعامة ما لا يدركونه... ومن أباح التأويل للجمهور فقد أفسده". كأنما أراد ابن رشد للمرء (العاقل) أن يعقل بعقلين، ومن ثم أن يتصرف بطريقتين: طريقة إزاء الخاصة، وطريقة إزاء العامة.
ولكن، كيف يوضع حد فاصل بين الخاصة والعامة؟ وكيف يوضع مفهوم واضح للنخبة أو للعقلاء؟ ليس بالضرورة أن يكون الوضع في هذا وذاك شأنا عاما، أو متعارفا عليه، وإنما الأولى أو المنطقي أن يكون شأنا شخصيا. فكل فرد يختار لنفسه الوسط أو المجال الذي يحقق فيه ذاته. وقد ينزع بعض الأفراد إلى العزلة الكلية، لكي لا يفرطوا بشيء من وجودهم الحقيقي. وقد تكلم الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر في كتابه "الوجود والزمان" عن نوعين من الوجود: الوجود الحقيقي، والوجود المزيف. الأول هو وجود الفرد مع ذاته، مكتفيا بنفسه. والثاني هو وجود الفرد مع الآخرين. وكأنما أراد هيدغر أن يقول إن علاقات الفرد بغيره لا بد أن تؤدي به إلى التفريط بقدر من ذاته، ولا يعصمه من هذا التفريط سوى العزلة.
نجاح الأديب هو أن يحافظ على خصوصيته وخصوصية عمله، وأن يستطيع في الوقت نفسه التأثير في الآخرين. ولكي ينجز ذلك، عليه أن يختبر الناس اختبارا عميقا وأن يعرفهم معرفة حقة
إنها ازدواجية قسرية يصعب الفكاك منها. وفي الشعر العربي نجد الكثير من صور هذه الازدواجية، في القديم منه وفي الحديث. ومن أبلغ الأمثلة على ذلك بعض ما ورد في معلقة الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد. ففي هذه المعلقة، يرمي الشاعر إلى إثبات فرديته أو فردانيته داخل قبيلته. هو لا يريد الانفصال عن القبيلة كما فعل الشعراء الصعاليك. إلا أنه يريد تأكيد كونه فردا ليس كغيره من أفراد قبيلته. يقول في ذلك:
إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني
عنيت فلم أكسل ولم أتبلد
ولو شاء ربي كنت قيس بن خالد
ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد
ولكنه يدرك أن هذا التأكيد على كونه فردا، سوف ينأى به عن قومه، عن الجماعة التي هي قبيلته. ويدرك أن رغبته في عدم الذوبان في الجماعة تجعل هذه الأخيرة تعمل على نبذه وعزله وربما التبرؤ منه. انظر في قوله:
إلى أن تحامتني العشيرة كلها
وأفردت إفراد البعير المعبد
إنها الازدواجية القسرية في التعقل والتصرف، التي يواجهها الأديب في كل زمان. فهو ينزع إلى العزلة وينشدها ويستحبها، ولكنه في الوقت نفسه يسعى إلى اختراقها بأدبه، بل إلى تبديدها، طالما أنه يرغب في التوجه إلى أوسع جمهور ممكن. والنجاح لديه هو أن يجتذب الجمهور دون أن ينساق إليه أو يذوب فيه.
نجاح الأديب هو أن يحافظ على خصوصيته وخصوصية عمله، وأن يستطيع في الوقت نفسه التأثير في الآخرين. ولكي ينجز ذلك، عليه أن يختبر الناس اختبارا عميقا وأن يعرفهم معرفة حقة. كيف له إذن أن يحيا بالناس وبدونهم؟ معهم وفي معزل عنهم؟ كيف يعيش حياته وحياتهم في آن معا؟ هل نقول إذن: إن حياته حياتان؟ وربما أكثر... وعقله هو الآخر: هل هو عقلان؟ ربما أكثر.