كرة فقر وكرة ثراء

كرة فقر وكرة ثراء

استمع إلى المقال دقيقة

كتب الفيلسوف الفرنسي ميشيل سير: "ربما كان ينبغي ابتكار نوعين من الرياضة: رياضة أثرياء، ورياضة فقيرة". يصدق هذا بالأولى على كرة القدم. الفارق الأساس بين الرياضتين في نظره، هو أن الثانية كان يحددها الانتماء. يقول: "عرفت رياضات التباري والمنافسة مرحلة قد أسميها، دون تردد، مرحلة الانتماء. فكان هناك داخل المواجهات من نوع الألعاب الأولمبية، أو أثناء مقابلات كرة القدم أو الكرة المستطيلة، فريق هذا البلد أو هذه المدينة ضد فريق البلد الآخر أو المدينة الأخرى، وكان واضحا للعيان أن لاعبي الكرة المستطيلة أو كرة القدم، ينتمون لبلد ما، أو لمدينة ما أو لقرية ما".

شيئا فشيئا، سيتآكل هذا "الانتماء" وستنفصم عرى هذه الهوية إلى حد الاندثار. اليوم، لم يعد حماس الجمهور بدافع الشعور بالانتماء" فمع سيادة قانون السوق الذي يعمل على أن يشترى اللاعبون في جميع أنحاء العالم تقريبا، صارت معظم الرياضات احترافية. نشتري اللاعبين بأثمنة تزداد ارتفاعا تكون باهظة في الغالب. نتيجة ذلك، في طبيعة الحال، أن الفرجة الرياضية "أصبحت دون جدوى تقريبا، لأننا بكل بساطة، نعرف مسبقا من سيفوز. فكم كانت المدة التي كان في خلالها فريق ليون بطل فرنسا؟ ست أو سبع سنوات؟ وفريق مانشستر يونايتد؟ الأفضل زادا من الناحية الرأسمالية، إلى حد أنه يكفي، معرفة ترتيب الاستثمار المالي في بداية الموسم الرياضي لمعرفة كيف سيكون الترتيب النهائي للفرق".

الفريق الثري يحتكر الفوز لسنوات متتالية. وكل شيء يتم كأنه لم تعد هناك ضرورة للعب، ولا للمواجهة وإجراء المباريات، ما دام الترتيب قد حدد مسبقا من طرف الاستثمار. تدخل الاحتراف، والمال، وقانون السوق في الرياضة، جعل كل الاهتمام الذي كان بالإمكان أن نوليه لعنصر التشويق يتوارى.

يتعذر علي، أنا الذي ما زلت أنتمي لعالم "الكرة الفقيرة"، أن أستوعب حماس متفرج إنكليزي أمام فريق أرسنال الذي يضم ألمانياً وسويديا وفرنسيا وبرتغاليا ونرويجيا وبلجيكيا وإيطالياً ودنماركيا وبولونياً، ولاعبين إسبانا، إلى جانب لاعبين "مستوردين" من البرازيل والإكوادور. قد يرد البعض بأن ذلك عائد لكوني ما زلت أحمل مفهوما "هوياتيا" عن الفريق، وما زال "الانتماء" معياري المحدد، وأنني ما زلت بعيدا عن "كرة القدم الثرية"، التي مكنها الرأسمال من أن تدوس بأقدامها مفهوم "الانتماء الهوياتي"، مع ما كان يصاحبه من فرجة وتشويق.

تدخل الاحتراف، والمال، وقانون السوق في الرياضة، جعل كل الاهتمام الذي كان بالإمكان أن نوليه لعنصر التشويق يتوارى

الظاهر أن ما أصبح يتحكم في كرة القدم في عالمنا المعاصر، والذي جعل منها رياضة "ثرية" يكاد لا تكون له علاقة بالرياضة، أو على الأقل بالرياضة بالمعنى الذي كنا نقبله في ما مضى. حيث إن كرة القدم ومبارياتها ومهرجاناتها ولقاءاتها تحيل اليوم إلى الرياضة بمعنى مخالف تمام الاختلاف، لا إلى الرياضة كلعبة، وإنما إلى الرياضة كـ"مؤسسة" لها إدارتها وحكامها، والحاكمون فيها وعليها، مؤسسة لها قوانينها وبنياتها، وموازين قوة تتباين وفق البلدان والمناطق، وفق الجغرافيا والسياسة. وهي مؤسسة يحكمها الاقتصاد وتحكم هي الاقتصاد، مؤسسة لها أسواقها وبورصاتها ومنطقها الاقتصادي الخاص.

هذه "الرياضة" لم يكن لها وجود حتى وقت قريب. قد يقال إن الألعاب الرياضية مغرقة في القِدم، هذا صحيح، ولكنها بالضبط كانت "ألعابا"، ولم تكن تخضع لقواعد دولية، يسهر على تنفيذها حكام دوليون، وتنظم على صعيد دولي، وتتبارى فيها الدول والأنظمة، بل وتتصارع الأيديولوجيات، وتتنافس لنقلها كبار القنوات كي تخلق النجوم، وترسخ العلامات، وتحتكر الإعلانات.

لكن، هل صحيح أن مفهوم "الانتماء" قد توارى كليا كما يزعم م. سير؟ فالظاهر أنه رغم التحول العميق الذي أدخلته "الكرة الثرية" على اللاعبين وعلى المباريات، على الفرق والمدربين، فإن شكلا آخر من "الانتماء"، ومفهوما مغايرا عن الهوية، أصبحا يفرضان نفسيهما.

يتأكد لنا ذلك عند متابعة كل مونديال. صحيح أن المونديال هو أموال وإعلان وإعلام  و"رياضة ثرية". إلا أنه يشكل بالنسبة إلى الكثيرين تجربة مغايرة للهوية. في هذا المعنى يمكننا أن نتحدث عن المفعول "الميتافيزيقي" للمونديال من حيث إنه يروج الفانتاسمات، ويخلق الهويات، فيؤجج الانتماءات، ويسوق وهم الولاءات، ويحدد موازين قوى، ويضبط علائق.

ذلك أننا نعيش كل أربع سنوات، وخلال شهر بكامله، تجربة هوية لا محدودة. فالواحد منا يجد نفسه اليوم مع هذا البلد وهذا الفريق، كي ينتقل في الغد القريب إلى فريق آخر ربما كان هو خصم الأمس. لا يعود هذا فحسب لما سمي روحا رياضية بقدر ما يرجع إلى "تعدد الألوان" التي تتسم بها الهوية بما هي كذلك.

تكشف هذه "الولاءات المتحركة" أن كلا منا يجد نفسه مجبرا على أن يغير بين يوم وآخر موقعه داخل دوائر متمركزة فيخرج من إحداها ليقتحم أخرى، الأمر الذي يجعلني أنتصر للفريق العربي ضد الفريق الأفريقي اليوم، لكنني سأجد نفسي مع هذا الفريق الأفريقي غدا ضد بلد أوروبي، بل مع هذا البلد الأوروبي مرة أخرى ضد بلد أوروبي آخر.

يمكننا أن نتحدث عن المفعول "الميتافيزيقي" للمونديال من حيث إنه يروج الفانتاسمات ويخلق الهويات

ما زلنا نذكر ما راج في فرنسا عندما نظمت المونديال سنة 1998 حيث تحدث البعض عن المفعول السياسي البعيد لذلك المونديال الذي قيل إنه أنزل مكانة زعيم الحزب اليميني المتطرف، لوبان وقتئذ، درجات كثيرة، بل قيل "إن ذلك المونديال عمل على توحيد الفرنسيين وصيانة هويتهم التعددية" لما شملته الفرقة الفرنسية من نجوم ذوي أصول متنوعة. وفي هذا المضمار قيل إن سكان الضواحي كانوا المستفيد الأكبر من فوز فرنسا، وإنهم لم يشعروا بأنهم فرنسيون بحق إلا بعد هذا الفوز. فكأن حصولهم على الهوية الفرنسية كان رهينا بحصول فرنسا على الكأس بواسطة فريق تشكل الفرقة وحدته، وتطغى ألوانه المتعددة على الألوان الثلاثة التي تشكل العلم الفرنسي، كي ترسم علما جديدا متعدد الألوان، وتبني عالما جديدا يتضح فيه أن الهوية استيهامات وفانتاسمات.

 ألسنا، هنا أيضا، أمام "انتماء"؟ لعله كذلك، حتى وإن كان قد غيّر من معناه فأصبح "انتماء رحالا" وهوية "متعددة".   

font change

مقالات ذات صلة