ليست هناك بكائية في تاريخ كرة القدم الحديثة، ولا سردية للمظلومية، تفوق في رسوخها البكائية العربية لخروج المنتخب الجزائري من كأس العالم عام 1982، إثر المباراة الشهيرة بين ألمانيا الغربية والنمسا، فيما عرف لاحقا في الذاكرة الرياضية بـ"فضيحة خيخون". تلك الحادثة لم تكن مجرد مباراة عابرة، بل كانت زلزالا كرويا دفع الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) إلى تغيير قواعد اللعبة وسن نظام جديد يفرض إقامة مباريات الجولة الأخيرة من دور المجموعات في التوقيت ذاته لضمان عدم التلاعب وتفويت الفرصة على أي اتفاقيات مسبقة.
في ذلك الوقت، لم يقتصر الغضب على المستطيل الأخضر، بل خرجت مظاهرات في عدة دول عربية تندد بـ"المؤامرة" التي أقصت منتخبا عربيا استثنائيا تمكن في مباراته الافتتاحية من قهر الماكينات الألمانية الغربية. ومع مرور الزمن، رسخت تلك السردية، حتى عاشت أجيال متعاقبة تتصور سيناريوهات بديلة وتتغذى على فرضية ماذا لو لم تكتمل خيوط تلك المؤامرة، وواصلت الجزائر مشوارها المستحق في المونديال. ولعلنا لا نبالغ من منظور سوسيولوجي إذا قلنا إن البكائية العربية في موقعة خيخون فاقت كل بكائية كروية عرفها تاريخ المونديال، بما في ذلك صدمة البرازيل التاريخية بخسارة كأس العالم على أرضها عام 1950 في المباراة الختامية أمام جارتها الأوروغواي، أو حتى خسارة هولندا المُرّة أمام الأرجنتين في نهائي بطولة 1978، والتي تصنف كأكثر البطولات تسييسا في تاريخ اللعبة.
وسط هذا الضجيج العاطفي الممتد لعقود، كان من النادر العثور على صوت يغرد خارج سرب هذه البكائية الجماهيرية. لعل التصريح الوحيد (الذي اطلعت عليه) والذي كسر هذه القاعدة، جاء على لسان رابح ماجر، نجم الجزائر الأسطوري وصانع أمجادها في ذلك المونديال. ففي مقابلة أجريت معه لموسوعة قنوات "إم بي سي" لكأس العالم، الصادرة قبيل مونديال أميركا 1994، سُئِل عن تلك الحادثة، فأجاب بتساؤل تفكيكي عميق قائلا: "دعونا نتخيل أن الجزائر وتونس قد وضعا في هذا الموقف، ألن يتفقا للصعود سويا؟".
لقد كان تصريح ماجر تجسيدا للعقلانية البرغماتية الصارمة. فبدلا من الاستمرار في لعب دور الضحية، طلب من الجماهير ممارسة نوع من الإسقاط العكسي، بأن يضعوا أنفسهم مكان الآخرين ليستوعبوا طبيعة تصرفاتهم، والاعتراف بأن الدول (سواء في الرياضة أو السياسة) تبحث دائما عن مصالحها العليا، حتى وإن كرهنا نحن تلك التصرفات أو رأيناها منافية للمثاليات.
في بطولة كأس العالم 2026، دارت عجلة الزمن لتضع "الخضر" أمام فرصة درامية للثأر التاريخي، عن طريق إمكانية الفوز على النمسا وإقصائها من البطولة. ولكن، في لحظة تجلت فيها حسابات المصلحة، فضل الجزائريون خيار التعادل في مباراة وصف بعض المتابعين نتيجَتها بأنها كانت متفقا عليها، ولكن بأسلوب احترافي بحت.
المشهد الأبرز تجلى في هدف النجم رياض محرز الأخير في الوقت بدل الضائع، والذي أشعل جنون النمساويين وغضبهم بشكل واضح. لكن اللافت كان لقطة اللاعب الذي همس في أذن محرز، لتتحول الفرحة العارمة على وجهه إلى وجوم مفاجئ. وقد فسر بعضهم تلك اللقطة بأن زميله كان يذكره بحقيقة برغماتية بسيطة: الفوز يعني صدارة المجموعة وبالتالي مواجهة المنتخب الإسباني المرعب، بينما التعادل يعني مواجهة سويسرا الأقل مستوى والأكثر يسرا في الحسابات التكتيكية. وما يدعم هذا الادعاء وتلك القراءة التحليلية، هي اللقطة اللاحقة لقائد المنتخب الجزائري وهو يقوم بتهدئة اللاعبين النمساويين بعد الهدف لامتصاص غضبهم.
تغليب المصلحة الآنية والمستقبلية وتأمين المكاسب يجب أن يطغى دائما على الرغبة في الثأر لماض ذهب ولن يعود
كان تعادل الجزائر مع النمسا في نهاية المطاف لصالح الطرفين، فالنمسا تضمن الصعود إلى الدور القادم، والجزائر تضمن مواجهة فريق أسهل نسبيا. هذه العقلانية البحتة غلبت رفع سقف الطموح للصعود إلى الدور الثالث، وفضلت المصلحة التكتيكية المحسوبة على الانجرار وراء عاطفة الانتقام لثأر كروي عمره أكبر من أعمار جميع لاعبي الفريقين على أرضية الملعب.
لفهم هذا السلوك، علينا العودة بالمقابل لتفكيك ما جرى في الماضي بعيدا عن العاطفة. لنتذكر أن تعمد النمسا الهزيمة أمام ألمانيا الغربية في عام 1982 لم يكن مجرد استهداف محض للجزائر، بل كان قرارا برغماتيا جعل طريقهم في البطولة أسهل. بتلك النتيجة، وضع النمساويون أنفسهم في الدور الثاني ضمن مجموعة تضم فرنسا وإيرلندا الشمالية، بدلا من التورط في مواجهة إنكلترا القوية جدا في ذلك الوقت، وإسبانيا البلد المضيف والمدعوم جماهيريا. لقد اختاروا طريق المصلحة وتجنبوا المخاطرة.
ختاما، وبعيدا عن بكائيات المؤامرات التي رواها الجزائريون لعقود في الساحات الرياضية، وسيرويها الإيرانيون وغيرهم في الساحات السياسية نتيجة للتحولات الاستراتيجية والضربات العسكرية، ينبغي لنا أن نستخلص درسا سوسيولوجيا وسياسيا بالغ الأهمية. إن تغليب المصلحة الآنية والمستقبلية وتأمين المكاسب يجب أن يطغى دائما على الرغبة في الثأر لماض ذهب ولن يعود.
يجب أن نتذكر دائما، في عالم كرة القدم كما في عالم الجيوسياسة، أن "المؤامرة" التي بكى منها الجزائري بالأمس، وسيبكي منها الإيراني اليوم، إنما حصلت لسبب جوهري واحد: وهو أن الطرف الخاسر قبل، بوعي أو بدون وعي، أن يضع نفسه مسبقا تحت رحمة حسابات غيره، بدلا من أن يمتلك زمام مبادرته ويضمن نجاحه وحمايته بيده. ففي عالم تحكمه المصالح، لا مكان للبكائيات، بل للعقلانية التي تحسب خطواتها قبل أن يقرر الآخرون مصيرها.