ما كشفه ملف الفساد العراقي الأخير

ما كشفه ملف الفساد العراقي الأخير

استمع إلى المقال دقيقة

ما كشفه ملف الفساد العراقي الأخير ليس مجرد خروقات قانونية فردية، بل هو نمط بنيوي متجذر في طبيعة الطبقة السياسية التي أفرزها النظام ما بعد 2003. فالموقوفون لا تجمعهم أيديولوجيا مشتركة ولا رؤية سياسية متماسكة، بل تجمعهم علاقة واحدة مع السلطة: التعامل معها بوصفها فرصة استثمارية لا مسؤولية عامة.

هذه الظاهرة تتخطى الفساد بمعناه الجنائي الضيق. فما يصفه الملف في جوهره هو غياب شبه تام لمفهوم السياسة بوصفها أداةً لتنظيم العلاقة بين المواطن والدولة، أو وسيلةً لترجمة الإرادة المجتمعية إلى سياسات عامة. في غياب هذه الثقافة السياسية، تحولت مؤسسات الدولة إلى هياكل موازية تخدم شبكات المصالح الخاصة، بينما يدفع المواطن العراقي تكلفة هذا الفراغ يومياً في الخدمات والأمن وفرص العيش.

ثمة ما هو أعمق من مجرد الإخلال بالمسؤولية العامة في سلوك هؤلاء السياسيين، إذ يكشف نمط ممارساتهم عن غياب تام لأي تصور عن وظيفة الثروة في الفضاء العام. فتلك المسارات العميقة التي تُعرّف السياسة بوصفها أداةً لتنظيم العلاقة بين البشر وتحسين شروط حياتهم، أو وسيلةً لترجمة الإرادة المجتمعية إلى مؤسسات فاعلة، أو حتى فناً لاكتساب السلطة والحفاظ عليها، كل ذلك يبدو غائباً كلياً عن عالمهم. فعلاقتهم بالسياسة والشأن العام لا تتوسط فيها رؤية ولا برنامج ولا طموح مؤسسي، بل يتوسطها المال وحده.

ولعل أكثر ما يستوقف المراقب في هذا الملف هو التناقض الصارخ بين قدرة هؤلاء الفائقة على مراكمة الثروات، وعجزهم التام عن توظيفها في أي صورة من صور الحضور العام. فرغم ما بلغته أموالهم من أرقام كبيرة، لم يؤسس أحدهم جمعية ثقافية ولا مبادرة تعليمية ولا منبراً إعلامياً ذا محتوى، ولا شركة إنتاجية ولا مؤسسة بحثية تخدم الصالح العام. بل إن السجل يخلو تماماً من أي مبادرة بيئية أو اجتماعية أو تدريبية يمكن نسبتها إلى أي منهم. والأكثر دلالةً من ذلك كله أن هذه الثروات لم تُستثمر حتى في خدمة مصالحهم السياسية الضيقة، إذ لم يبنِ أحدهم تياراً سياسياً منظماً ولا قاعدة شعبية مستدامة.

لعل أكثر ما يستوقف المراقب في هذا الملف هو التناقض الصارخ بين قدرة هؤلاء الفائقة على مراكمة الثروات، وعجزهم التام عن توظيفها في أي صورة من صور الحضور العام


المشترك الوحيد الجامع بينهم هو استحواذهم على ثروات طائلة وإخفاؤها عن الفضاء العام، وتحويلها من طاقة كامنة قادرة على تغيير شروط الحياة إلى مجرد أوراق نقدية وكتل معدنية مخزنة في الأقبية وخلف الجدران. ثروة لا تُنتج ولا تُشغّل ولا تبني، ولا تُفضي إلى شيء يُذكر.

وإذا أردنا فهم هذه الظاهرة في سياقها الأشمل، لا بد من استحضار التحول الكبير الذي شهده العالم في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي، حين راجت فكرة "نهاية عصر الأيديولوجيا". وقد أنتج هذا التحول في معظم دول العالم ثلاثة مسارات أسهمت في تثبيت الأنظمة الديمقراطية وترسيخ السلم الاجتماعي. فقد عنى في بعض السياقات توافقاً سياسياً ومجتمعياً واسعاً يُقصي العنف والانقلابات من دائرة الخيارات المقبولة. وعنى في سياقات أخرى انتباهاً أعمق للشأن الوطني على حساب الخطابات الرومانسية العابرة للحدود. وعنى في سياقات ثالثة تخلياً عن الوعود الكبرى، واتجاهاً نحو سياسة أكثر تواضعاً وأقرب إلى معالجة المشكلات اليومية الفعلية للمواطنين. وفي جميع هذه الحالات أسهم التحول في جعل السياسة أكثر نضجاً وأقرب إلى خدمة المجتمع.

غير أن المسار اتخذ- في سياقات هشة ديمقراطيا كالسياق العراقي- منحىً مغايراً تماماً. إذ لم تعنِ "نهاية الأيديولوجيا" هنا تحرراً من الخطابات الكبرى لصالح السياسة العملية، بل أفضت إلى شيء أكثر إثارةً للقلق: تفكيك المنظومة الأخلاقية التي ينبغي أن تُحيط بكل من يتولى شأناً عاماً وتضبط سلوكه. فحين تفرغت السياسة من أي مضمون قيمي أو رؤيوي، تراجعت معها الضوابط التي كانت تُشكّل رادعاً ذاتياً لأصحاب السلطة.

وعلى مستوى موازٍ، أسهم هذا التحول في إضعاف الأحزاب السياسية بوصفها مؤسسات للتنشئة والمحاسبة والانضباط الجماعي. فالأحزاب، على ما قد يُوجَّه إليها من انتقادات مشروعة، تظل الإطار المؤسسي الأقدر على تجسيد العقل الجمعي وترسيخ ثقافة المساءلة الداخلية وضبط السلوك الفردي. وحين تراجع دورها، حلّت محلها شخصيات فردية تجيد استقطاب الأصوات دون أن تكون قد اكتسبت ثقافة المسؤولية العامة أو مرّت بتجربة التنشئة المؤسسية التي تُعلّم الالتزام والمحاسبة.

والمحصلة الطبيعية لكل ذلك في مجتمعات لا تزال في طور بناء تجاربها الديمقراطية هي سيادة ما هو دون الأيديولوجيا: القوة العارية والعلاقات الأهلية والنزعات الضيقة، وفوق ذلك كله المال. لكن ليس بوصفه ثروةً قادرة على تغيير شكل الحياة وبناء المستقبل، بل بأكثر صوره تجريداً وعقماً: موارد مُكدَّسة بعيداً عن أي توظيف منتج، لا تُفضي في نهاية المطاف إلى أي أثر يُذكر في حياة المجتمع.

font change