خالد منتصر يتصدى لظاهرة ضياء العوضي في كتاب جديد

منطق الخرافة والعلاج بالوهم

غلاف "ظاهرة ضياء العوضي من الطب البديل إلى بديل الطب"

خالد منتصر يتصدى لظاهرة ضياء العوضي في كتاب جديد

في كتابه الجديد، "ظاهرة ضياء العوضي ـ من الطب البديل إلى بديل الطب"، الصادر عن "دار ريشة للنشر والتوزيع" 2026، يعالج الكاتب والطبيب المصري خالد منتصر ظاهرة ضياء العوضي الذي أحدث انقساما في المجتمع المصري بسبب دعوته إلى التخلي عن الأدوية واعتماد ما عُرف بـ"الطيبات"، كنظام تغذية علاجي بديل.

تمثل الانقسام في رافضين له من طرف وأنصار ومؤيدين من طرف آخر، هؤلاء الذين يفضل الكاتب إطلاق تسمية الـ"ألتراس" عليهم، وهي كلمة يونانية الأصل تستخدم في مجال الرياضة وتعني باختصار شديد "المشجعين"، وقد باتوا يشكلون تيارا وفق ملاحظة الكاتب، وهنا مكمن الخطورة. فعلى الرغم من انكشاف حقيقة وصفات العوضي الطبية المنافية لأصول الطب الراسخة والمعتمدة، إلا أن الدفاع عنه والهجوم بشراسة على منتقديه بشتى الأساليب في ازدياد، خاصة بعد وفاته الغامضة. فمن هو ضياء العوضي وكيف تحقق له كل هذين، الانتشار والرواج، ومن يقف وراء ذلك؟

تشريح كاريكاتوري

لم يكن ضياء العوضي الأول ولن يكون الأخير في سلسلة مدعي الخوارق الطبية في مصر، التي أضحت لكثرة هؤلاء وسهولة انتشارهم وتأثيرهم "جنة النصابين بالخرافات الطبية على الأرض"، فعندما يُسأل أحد هؤلاء عن الأدلة العلمية في ما يدعي، يقول "أنا حر!"، وعندما يسأل عن النشر الدولي في المجلات العلمية المتخصصة، يقول "كيف أنشر عند أعدائي من الحاقدين؟"، وعندما يسأل عن علمه، يقول "إن ما أقوله هو إلهام من السماء!".

وإذا كان الكاتب أراد لأجوبة كهذه اكتساب صفة العمومية لانطباقها على حالات كثيرة مشابهة، إلا أنها في هذه الحالة تُنسب إلى ضياء العوضي حصرا، لأن فحواها قد صدر عنه بالفعل.

كان ما يقوله العوضي من قبيل الكوارث الكونية، والخطايا الطبية، التي تجعل طالب سنة أولى طب يشنق نفسه بأمعاء آخر جثة في مشرحة كلية الطب

وهنا لا بد من الإضاءة على خلفية العوضي العلمية وتخصصه الأساس وانتشاره. يسرد الكاتب لحظة اطلاعه على واحد من الفيديوهات التي يتحدث فيها العوضي، معرفا عن نفسه بصفته مدرس تخدير في الرعاية المركزة بطب جامعة عين شمس ومتخصصا في التغذية وعلاج الألم (تبين لاحقا أنه مفصول من الكلية). ولم يعره اهتماما كبيرا فهو مجرد "زوبعة في فنجان، سرعان ما ستنتهي، مثلها مثل كثيرين باعوا العلم الزائف"، وفقا لتصوره وتعامله مع ظواهر من هذا النوع على مدى أربعين عاما، إلا أنه يُفاجأ بظهوره ضيفا في برنامج الإعلامي المعروف محمود سعد الذي قدمه بوصفه "مجددا في العلم، وصاحب نظرية جديدة في الطب، تهدم الطب القديم الذي عفا عليه الزمن". عندها يشعر الكاتب بـ"نذير خطر" حسب قوله، لأن سعد هو أشهر إعلامي في مصر وبرنامجه يعد أهم برنامج، وقد حقق فيديو اللقاء ذاك نحو ثلاثة ملايين مشاهدة، مما حدا بالكاتب لأن يسمي ذلك عبثا وجريمة إعلامية، وقد حذف الفيديو لاحقا، مبديا في الوقت نفسه استنكاره لإعجاب المذيع واندهاشه بضيفه، كما لو كان "غيفارا الطب"، خاصة أن منتصر نفسه كان ضيفا في برنامجه هذا وقد هاجم يومها ظاهرة على شاكلة ظاهرة العوضي، بطلها مدرس ألعاب ومدلّك رياضي اكتسح الإعلام بادعائه معالجة كل الأمراض، عبر تجارة الأعشاب والخلطات المجهولة المصدر.

وكان للحلقة مفعولها الحاسم، إذ قدّم فيه وزير الصحة آنذاك بلاغا للنيابة، استجابة لطلب الكاتب، وبذلك يكون قد سدد له الضربة القاضية، كما يعبر. أما الضربة البليغة الجديدة التي سددها منتصر للعوضي فكانت اللغة أداتها، حيث يصفه بكاريكاتورية حادة كمبضع جراح، مشرحا شخصيته، يقول "ركزت في لغة الجسد، فاكتشفت فورا أن هناك مشكلة نفسية ما، أما ما يقوله فقد كان من قبيل الكوارث الكونية، والخطايا الطبية، التي تجعل طالب سنة أولى طب يشنق نفسه بأمعاء آخر جثة في مشرحة كلية الطب".

بعد ذلك تستوقفه الثقة التي يتحدث بها فلا يجد لها مثيلا سوى في المرضى الذين عاينهم في العيادة النفسية، في فترة ما، أولئك الذين يرومون هداية البشرية، بوصفهم "أنبياء ورسلا"، وفضلا عن الصورة الكاريكاتورية الواخزة التي رسمها للطبيب العوضي، فإنها تغني في الوقت نفسه عن عشرات الصفحات للتنبيه إلى حجم كارثية وخطورة شخص كهذا في مجال لا يقبل العشوائية.

شواهد على العبث بالصحة

بما أن الكتاب يهدف إلى التوعية الطبية العلمية، من خلال فضح النماذج التي جعلت من النفس البشرية ميدانا للتجارة والتكسب، فإنه يولي اهتماما بالحالات التي تؤكد فداحة الجرم المرتكب من قبل طبيب نظام "الطيبات" في حق المرضى المعنيين. الحالة الأولى التي أثارت الكثير من التساؤل ودهشة الأطباء والمختصين واستنكارهم، تتعلق بنصيحة إيقاف الإنسولين لمرضى السكر من الدرجة الأولى، والتوصية بتناول "النوتيلا والبسبوسة".

 AFP
الطبيب الكندي تشارلز هربرت بست، أحد مكتشفي الإنسولين، مع زوجته في لندن، 1971

وبالطبع، يقول الكاتب، هناك "عشرات الآلاف من الغلابة البسطاء الذين اقتنعوا" لأن قائلها يحمل الدال المقدسة "وقد رمى لهم طوق النجاة، وغازل الكراهية بداخل المصريين للإنسولين وحقن الإنسولين..."، هذا في حين ان اكتشاف الإنسولين شكل ثورة في الطب، فالنوع الأول من السكر كان حكما بالموت، ولم يكن له من علاج إلا الحمية بالتجويع، وكان يموت به خلال سنة واحدة من التشخيص ما نسبته 70 إلى 80 في المائة، خاصة الأطفال. لكن هذه النسبة انخفضت بعد الاكتشاف العظيم هذا إلى أقل من 5 في المائة وقد تحقق ذلك بين عامي 1921ـ1922 على يد باحثين من كندا هما فريدريك بانتنج وتشارلز بيست، وقد أعطيت أول حقنة إنسولين لطفل يبلع من العمر 14 عاما، وكان في حالة احتضار، والمعجزة التي حدثت أنه بدأ بالتحسن خلال أيام، وقد لخصت إحدى الممرضات في تورونتو نجاح العلاج حينئذ، بقولها: "كان الأمر أشبه بقيامة يومية... الأطفال ينهضون من الموت".

الحالة الأولى تتعلق بنصيحة إيقاف الإنسولين لمرضى السكر من الدرجة الأولى والتوصية بتناول "النوتيلا والبسبوسة"

 وهكذا فقد تحول مرض السكر من مرض قاتل إلى مرض مزمن قابل للسيطرة، مع فرص تحقق جودة الحياة مع العلاج. والمفارقة أن هذين الباحثين لم يتقاضيا ثمنا لبراءة اختراعمها سوى دولار واحد لكل منهما، رافضين بيعه لجهة أجنبية بمليون دولار، وهو ما يعيد إلى الأذهان بديهية متناساة هي الرسالة الإنسانية للطب، مقارنة مع الحرص المادي للمتاجرين بالطب ومدعيه.

الحالة التي فجرت الموقف  

الحالة الثانية تخص مريضة مصابة بالذئبة الحمراء، وهي صيدلانية وكانت نصيحة العوضي لها إيقاف الكورتيزون تماما، الأمر الذي تسبب بموتها. ويصف الكاتب ما حدث لها بأنه قتل بدم بارد. ويبين شارحا "في الطب هناك أدوية لا تُعامل كمسكنات عابرة، بل كبدائل حيوية لوظائف جسدية أساسية، والكورتيزون واحد من هذه الأدوية الخطيرة في قوتها والحيوية في تأثيرها. وعندما يتعلق الأمر بمرض مناعي معقد مثل الذئبة الحمراء يصبح الكورتيزون خط الدفاع الأول الذي يضبط جهازا مناعيا خرج عن السيطرة، لكن المفارقة القاسية أن هذا الدواء المنقذ قد يتحول إلى خطر قاتل إذا أوقف فجأة".

REUTERS/Lucy Nicholson
تامارا خاتشاتوريان، المصابة بداء السكري من النوع الأول، تحقن نفسها بالإنسولين في لوس أنجليس، 2007

الحالة الثالثة في مسلسل ضحايا العوضي وهي التي فجرت الموقف ضده وأنهت قانونية ممارسته المهنة، كانت حالة مريضة زرع الكلى التي أوقف لها علاج مثبطات المناعة وادعى في ما بعد أنها تحسنت، والأمر نفسه تكرر مع مرضى الفشل الكلوي الذين يغسلون الكلى بانتظام. عندئذ استدعته نقابة الأطباء مستندة إلى العديد من الفيديوهات والتسجيلات والوصفات الطبية الصادرة عنه، وناقشته في الحالات المعنية، فكانت معظم ردوده: أنا حر"! فانتهى الأمر بشطبه من النقابة وإغلاق عيادته من قبل وزارة الصحة للمرة الثانية، "بعد أن فتحها متحديا قرار الإغلاق الأول". والكارثة، كما يقول الكاتب، ليست في وجود مثل هذا الطبيب ولكنها في جحافل الأتباع الذين بالملايين والمقتنعين بتلك الخرافات. مع ملاحظة أن معظم "مقدسيه" من النساء، على الرغم من نزعته الذكورية، ليتساءل الكاتب إن كان في الأمر مازوخية ما؟ لكنه التواطؤ الذي تتحمل مسؤوليته في الدرجة الأساس وسائل الإعلام من قنوات تلفزيونية ووسائل تواصل اجتماعي. ففي الوقت الذي يُمنع من مزاولة الطب وتُغلق عيادته رسميا، تفتح له فضائية ما نافذة جديدة لمخاطبة الجمهور والتواصل معه، وهو ما ساهم "في تحويل المرض الى وباء فصار حصار الظاهرة وتفادي توابعها أشبه بحصار عاصفة انفجار قنبلة نووية في كوخ".

لماذا تنتصر الخرافة؟

يضم الكتاب، عدا المعلومات، أكثر من حكاية ذات مغزى على أكثر من صعيد، تجعله وبالطريقة البسيطة المعتمدة، ممتعا بقدر ما هو مفيد وتنويري في مجاله. ولا غرابة في ذلك لمن قرأ أو عرف خالد منتصر بوصفه كاتب مقالات وروائيا له العديد من الأعمال التي حققت نجاحا، ويكفي لتبيان شغفه الأدبي أنه اختار دراسة الطب تأثرا بأنطون تشيخوف ويوسف إدريس. على أن ذلك لا يمنع من التنبيه إلى ما شاب الكتاب من تكرار لبعض النقاط المثارة ذاتها.

 AFP
صورة غير مؤرخة للعالم الفرنسي لويس باستور، رائد علم الأحياء الدقيقة ومكتشف البسترة

باستثناء ذلك، فإن الكتاب حافل بما يجذب القارئ ويستوقفه، من خلال القصص والوقائع التي تصلح لأن تكون أمثولات لصلة مضامينها بما يدعو إليه الكاتب من اعتماد العلم والعقلانية ونبذ الخرافة. وقد تكون واقعة الخبز الفرنسي أسطع مثال على الصراع بين الجهل والخرافة من جهة والحقيقة العلمية من جهة ثانية، ففي منتصف القرن التاسع عشر ظهر في أحد المخابز الفرنسية خبز مغطى ببقع حمراء داكنة، تشبه الدم تماما. صاح البعض أن دم المسيح قد ظهر، وانتشرت الشائعة، حتى أستعين بالعالم لويس باستور لحسم الجدل وبعد الفحص المجهري والتحليل ظهر أن هذا اللون يتسبب به كائن حي دقيق اسمه Serratia marcescens وهو بكتيريا تنتج صبغة حمراء تسمى Prodigiosin.

الكارثة ليست في وجود مثل هذا الطبيب ولكنها في جحافل الأتباع المقتنعين بتلك الخرافات

 عند هذا الكشف اتهمه بعض رجال الدين بإهانة العقيدة والكذب، فيما دافع عنه العلماء والعقلانيون. والأمر شبيه باعتماد مواد سمية قاتلة للعلاج مثل كلوريد الزئبق والزرنيخ، قبل رسوخ علم الطب. فعلى رغم الأضرار الفادحة لتلك المواد "فإن الناس كانوا مقتنعين على أنها علامات تحسن"، وما ذلك إلا لأن "العلم الحقيقي يقنع العقل لكن العلم الزائف يخاطب الخوف والرغبة وهذا يجعله ينتصر بسهولة".

font change

مقالات ذات صلة