التسلط عل الأدباء ليس قائما في العالم العربي فحسب، فإذا نظرنا إلى التاريخ المعاصر، فسنجد أن هذا التسلط في المؤسسات المهنية له أسباب بنيوية أكثر منه شخصية. أهم أسباب التسلط، أن الكاتب يملك سلطة لا تمنحها المؤسسة التي يعمل بها، كالمدير الذي يستمد سلطته من المنصب، بينما الكاتب يستمدها من اسمه ومن جمهوره ومن إنتاجه. هي سلطة رمزية، وقد تكون أقوى من السلطة الإدارية، ولذلك يلاحظ مؤرخو الحياة الثقافية أن المؤسسات كثيرا ما تشعر بالقلق من الشخص الذي يكتسب مكانة خارج هرمها الوظيفي، ونجد عبر القرن العشرين كثيرا من كبار الأدباء عاشوا توترات مع المؤسسات التي عملوا فيها.
ولعل المثال الأشهر هو فرانز كافكا الذي عاش موظفا في مؤسسة تأمين، وكان يرى أن البيروقراطية تستنزف روحه، والأديب نجيب محفوظ بقي موظفا حكوميا لعقود، لكنه كان حريصا وبصعوبة على الفصل بين عمله الإداري ومكانته الأدبية. أما غسان كنفاني، فقد عانى من العمل الصحافي مع المحافظة على استقلال صوته الأدبي.
التاريخ فيه الكثير من الأمثلة، وهو مستمر حتى اليوم، ليثبت الزمن أن الإبداع يربك الإدارة التي تبحث غالبا عن الانضباط، وتنفيذ العمل، مع وضوح التسلسل الإداري، بينما الكاتب بطبيعته يسأل ويناقش ويقترح ويعترض. هو يملك رؤية خاصة، ليس لأنه متمرد بالضرورة، وإنما لأن مهنته قائمة على التفكير الخيالي والنقدي، وهنا يبدأ الاحتكاك. كتب يوما عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو عن الصراع بين "الحقل الثقافي" و"الحقل البيروقراطي"، فلكل منهما معايير مختلفة للنجاح والسلطة.
من جهة أخرى، الزملاء أيضا قد يصبحون جزءا من المشكلة، خاصة في المؤسسات الثقافية. تظهر ظاهرة معروفة يدرسها علم النفس التنظيمي، وهي أن الشخص المبدع لا ينافس الآخرين على الوظيفة فحسب، بل ينافسهم على الاعتراف والسمعة الأدبية، ولهذا قد تتحول المنافسة ضده، بعرقلة مشاريعه، واحتكار فرصه.
أما الملاحظة اللافتة تاريخيا، فهي أنه كلما اعتمد الكاتب في مكانته على المؤسسة وحدها، ازدادت هشاشته، أما إذا كانت مكانته نابعة من إنتاجه المستقل وقرائه وإسهامه الثقافي، فإن المؤسسة تستطيع أن تؤثر في وظيفته سلبا، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تنتزع مكانته الأدبية، وهذا ما يفسر لماذا بقيت أسماء كثيرة في تاريخ الأدب حية، بينما اختفت أسماء المدراء والرؤساء من الذاكرة الثقافية، فالتاريخ الأدبي يميل إلى الاحتفاظ بمن ترك أثرا في المعرفة واللغة، أكثر مما يحتفظ بمن شغل منصبا إداريا.
وفي السير الذاتية المكتوبة للأدباء الكبار في التاريخ، نجد عددا كبيرا منهم لم تكن معركته الأساسية مع الرقابة السياسية فقط، بل مع البيئة المهنية أيضا، فكانت معاركهم تدور حول الاعتراف والنفوذ ومن يملك القرار ومن يحدد قيمة العمل. بجانب طفولتهم وكتبهم، نجدهم يسردون عن مدراء ومحررين ولجان وعلاقات داخل المؤسسات التي عملوا بها.
بعض الأدباء تحملوا النقد والتهميش، وحتى التجاهل. لكن حين يشعر الكاتب أن لقمة عيشه أصبحت وسيلة للضغط، يتحول الأمر من خلاف مهني إلى امتحان أخلاقي، وهنا لب المسألة، وهو تضييق رزق الكاتب ليس دائما بالسجن أو المنع أو النفي، بل أحيانا بوسائل أكثر خفاءً، مثل تخفيض درجة تقييمه، وحرمانه من الترقية، وسحب المشاريع التي اقترحها، والأسوأ عزلته عن دوائر التأثير، يجعله يشعر بأن رزقه معلق برضا أشخاص لا بجودة عمله.
الراتب تدفعه المؤسسة، أما المكانة الأدبية فلا يملك أحد أن يمنحها أو يسحبها بقرار إداري
وهذه من أقدم وسائل السلطة، لأن الإنسان قد يتنازل عن رأي، لكن يصعب عليه المغامرة برزق أسرته، ولهذا قال الفقيه والمؤرخ عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته كلاما بالغ العمق حين لاحظ أن التسلط إذا دخل على النفوس أفسد طبائعها، ولم يكن يقصد السلطان السياسي وحده، بل كل علاقة يصبح فيها الخوف هو المحرك.
يبقى المؤلم في حالة الأديب تحديدا أن مصدر رزقه غالبا هو مصدر صوته أيضا، فإذا ضيّقت المؤسسة عليه في راتبه، فهو يضيق على اللغة التي يعيش بها، فالمدير يستطيع أن يتسلط عليه بتجاهله، لكنه لا يستطيع أن يكتب كتابا جيدا مكان صاحبه، ولا أن يمحو أثرا صنعته سنوات من المعرفة، وهذا لا يخفف من قسوة التجربة، لأن الرزق حاجة يومية وليست فكرة فلسفية.
من يتعمد التضييق على رزق صاحب قلم، غالبا يخشى القيمة التي يمثلها ذلك القلم، فالراتب تدفعه المؤسسة، أما المكانة الأدبية فلا يملك أحد أن يمنحها أو يسحبها بقرار إداري، ولذلك فإن السيطرة عند المدراء هي الضغط على الرزق في محاولة للضغط على الاستقلال.