إذن، انتهت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان، لتستمر مفاعيلها مدةً لن تكون قصيرة. هي الزيارة الثانية له إلى بيروت، لكنها تختلف عن زيارته الأولى شكلاً ومضموناً.
في زيارته الأولى، اقتصرت اللقاءات على رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، بينما تضمن جدول لقاءاته هذه المرة شخصيات دينية وسياسية، إلا أن اللقاء الأبرز كان مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، والذي أثار عدم اللقاء به في الزيارة الأولى الكثير من التساؤلات، بينما اكتفت يومها المصادر السورية بالتأكيد على أنه لا مانع لديها من اللقاء مع رئيس مجلس النواب، وأن عدم اللقاء به لا يعدو كونه أمراً تنظيمياً من قبل الجانب اللبناني الذي وضع جدول لقاءات الزيارة.
اليوم تم اللقاء، وكان لقاءً ثنائياً مغلقاً بين بري والشيباني، وكل ما تسرّب عنه كان إيجابياً، حتى إن الشيباني دعا بري إلى زيارة دمشق، لكن بسبب وضع بري الصحي والأمني، قد لا تحصل هذه الزيارة في أي وقت قريب. في المقابل، كرر بري التزامه الدائم بالعمق العربي للبنان، وبأن سوريا تشكل ممره العربي.
جاءت زيارة الشيباني، في معظمها، لتعيد تأكيد ما قاله الرئيس السوري أحمد الشرع مراراً، وخصوصاً في لقائه التلفزيوني الأخير، إذ طمأن جميع اللبنانيين إلى أن سوريا لا تنوي التدخل في لبنان، وأن العلاقة ستكون قائمة على احترام سيادة كل دولة للأخرى، من دون أي تدخل في شؤونها الداخلية، أي علاقة بين دولتين عبر المؤسسات الرسمية.
الشرع، الذي تحدث عن الجرائم التي ارتكبها "حزب الله" والميليشيات الإيرانية في سوريا، لم ينفِ احتمال اللقاء مع "الحزب" إذا كان هذا اللقاء يخدم المصلحة الوطنية السورية واللبنانية، وهو ما كرره الشيباني. وقد لاقى ذلك استهجاناً في الشارع السوري، وفي جزء من الشارع اللبناني. لكن، ألم يذهب الشرع إلى موسكو والتقى رئيسها فلاديمير بوتين أكثر من مرة؟ يقول البعض إن روسيا دولة عضو في مجلس الأمن، وإن مصلحة سوريا تقتضي إعادة وصل ما انقطع معها، والتوصل إلى علاقة جيدة تخدم مصالح سوريا أولاً، رغم الدور الروسي وشراكتها في الحرب على السوريين إلى جانب قوات الأسد. وقد يكون الأمر نفسه في العلاقة مع "حزب الله"، فالحدود المشتركة بين سوريا ولبنان، والتي لم يتم ضبطها بالكامل حتى اللحظة، تحتاج إلى تواصل مع من يشكل مصدر التهديد الأساسي عبر هذه الحدود، وخصوصاً أن الوضع الأمني في سوريا لا يزال يعاني من انفلات في بعض الأحيان، وليس آخرها التفجير الإرهابي في دمشق، الذي تزامن مع زيارة الشيباني إلى بيروت.
جاءت زيارة الشيباني، في معظمها، لتعيد تأكيد ما قاله الرئيس السوري أحمد الشرع مراراً، وخصوصاً في لقائه التلفزيوني الأخير، إذ طمأن جميع اللبنانيين إلى أن سوريا لا تنوي التدخل في لبنان، وأن العلاقة ستكون قائمة على احترام سيادة كل دولة للأخرى
ولا يزال التنسيق الأمني بين البلدين، رغم عدم إعلان ذلك من كلا الطرفين، أقل من المطلوب. فرغم اللقاءات المتكررة بين وزراء ومسؤولين من البلدين، فإن لقاءً أمنياً على مستوى رفيع لم يحصل بعد. فقد غاب عن زيارة الرئيس سلام الأخيرة إلى دمشق وزيرا الدفاع والداخلية، وكذلك الأمر في زيارة الشيباني إلى بيروت. كما أن وزيري الداخلية والدفاع وقيادتي الجيش في البلدين لم يجتمعوا بعد، وما زال التنسيق يتم عبر مسؤولين تنفيذيين على الأرض. وهذا أمر لا بد من التوقف عنده، رغم الإيجابية التي يحاول الجميع إظهارها في مشهد العلاقات.
لبنان يريد من سوريا مشروعاً عملياً يجسد رؤية الشرع الاقتصادية، بما يحقق الفائدة للبنان كما لسوريا: مشاريع الطاقة، والمرافئ، والانفتاح الاقتصادي. لكن، هل يمكن أن يتحقق ذلك من دون ضبط الحدود وإغلاق ممرات التهريب؟ منذ أشهر، والجميع ينتظر نقل جهاز الإسكنر من المرفأ إلى معبر المصنع، لكن الجهاز لم يُنقل بعد، وهو ما يعرقل حركة البضائع والصادرات من لبنان، وخصوصاً أن شحنات "الكبتاغون" لا تزال تُضبط وهي في طريقها إلى سوريا والدول العربية.
وخلال زيارة الشيباني، تم إنشاء لجنة مشتركة سورية-لبنانية، لتشكّل أعلى إطار مؤسسي للتشاور والتنسيق بين البلدين. وهنا لا بد من طرح السؤال، الذي يطرحه اللبنانيون سراً، علناً: لماذا هذه اللجنة؟ وهل ستحل محل المجلس الأعلى سيئ السمعة؟ أليس من الأفضل أن تكون العلاقة عبر السفارات والوزارات المعنية؟ فالعلاقة بين سوريا ولبنان ليست محكومة بالجغرافيا وحدها، بل أيضاً بذاكرة مثقلة ومنهكة من التدخلات المتبادلة، ولذلك لا بد أن يتسم التعاطي مع لبنان بالكثير من الحذر. وعلى السوريين أن يستمعوا إلى صوت اللبنانيين الذين دفعوا ثمناً كبيراً للتخلص من نظام الأسد في بلادهم، لا إلى ما يقوله بعض اللبنانيين أمامهم فقط.
وإضافة إلى لقاء الشيباني مع الرؤساء الثلاثة ومفتي الجمهورية، جاء لقاؤه مع البطريرك الماروني بشارة الراعي، ورئيس "حزب الكتائب" سامي الجميل، ورئيس "حزب القوات اللبنانية" سمير جعجع، كخطوة إيجابية لطمأنة المسيحيين في لبنان، وإن كان البعض قد اعترض على هذه اللقاءات متوجساً من عودة الماضي. لكن غاب عن الزيارة أيضاً التوجه إلى ضريح الرئيس رفيق الحريري، الذي شكّل اغتياله على يد نظام الأسد و"حزب الله" نقطة تحول في تاريخ المنطقة، ونتج عنه خروج الجيش السوري من لبنان ونهاية عهد الوصاية.
ولزيارة مدينة طرابلس بحث آخر.
وفي النهاية، أرى أنه من الضروري أن أذكر أن هذه الزيارة جاءت بعد عشرين عاماً على صدور إعلان دمشق–بيروت، فتحية لكل من دفع حياته ثمناً ليرى العلاقة بين البلدين كما ينبغي أن تكون بين بلدين جارين، بانتظار أن تنتهي كل رواسب الماضي، وأن يتمكن البلدان والشعبان من فتح صفحة جديدة، يتطلعون فيها إلى المستقبل، لا أن يبقوا أسرى الماضي.