إذن، لم تعش مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية أكثر من شهر. ففي 18 يونيو/حزيران 2026، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، كلٌّ منهما عن بُعد، على ما عُرف بـ"مذكرة إسلام آباد". غير أن الاتفاق انهار سريعاً، بعدما اتهمت واشنطن طهران باستهداف ناقلات نفط في مضيق هرمز، وردّت بشن غارات واسعة على مواقع "الحرس الثوري" الإيراني. وفي 8 يوليو/تموز، أعلن ترمب رسمياً انتهاء مذكرة التفاهم، وعودة الولايات المتحدة إلى خيار المواجهة العسكرية المباشرة.
مع انطلاق مفاوضات إسلام آباد، ارتفعت آمال البعض بإمكانية التوصل إلى اتفاق يطوي صفحة المواجهات العسكرية التي أنهكت المنطقة. في المقابل، لم يُخفِ آخرون مخاوفهم من أن تتضمن التفاهمات بنوداً غير معلنة، تعيد إلى الأذهان ما جرى في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما.
لكن الاتفاق لم يصمد سوى أيام قليلة. فالرغبة في إنهاء حرب وُصفت منذ بدايتها بأنها متسرعة، لم تكن كافية لتجاوز الخلافات الجوهرية بين واشنطن وطهران. وحتى لو تجاهلت الإدارة الأميركية هواجس بعض حلفائها، فإنها لم تكن مستعدة للقبول بالشروط الإيرانية أو التسليم بسياسات طهران الإقليمية.
إلى جانب ذلك، هناك وقائع لا يمكن لأي من الطرفين تجاوزها. فهجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول وما تبعها من تطورات غيّرت موازين القوى في المنطقة، وألحقت خسائر كبيرة بإيران ومشروعها الإقليمي. كما أثبتت الأحداث أن الأذرع الإيرانية لم تكن تشكل تهديداً لإسرائيل وحدها، بل إن إسرائيل لم تكن هدفها الأول أصلاً، وما شهدته دول المنطقة طوال العقود الأربعة الماضية خير دليل على ذلك.
اليوم تبدو الميليشيات الموالية لإيران، أو ما يُعرف بأذرعها الإقليمية، في حالة شلل شبه كامل، وإن لم تكن قد فقدت قدرتها على الحركة بالكامل. سقوط نظام بشار الأسد في دمشق جعل إعادة إحياء هذه الأذرع مهمة شديدة التعقيد. فقد كانت هذه التنظيمات تمثل أدوات لتنفيذ المشروع التوسعي الإيراني وابتزاز دول المنطقة والمجتمع الدولي، في إطار سياسة يمكن وصفها بـ"البلطجة السياسية"، في انتهاك واضح للقانون الدولي والأعراف الناظمة للعلاقات بين الدول. ويبدو أن طهران تحاول اليوم تطبيق المنهج نفسه في مضيق هرمز، عبر استخدامه ورقة ضغط ووسيلة لفرض "الإتاوات" السياسية والاقتصادية على العالم.
الوضع في المنطقة اليوم أكثر خطورة مما كان عليه قبل شهر. ففي ذلك الوقت، كانت إيران تخوض معركتها للوصول إلى اتفاق، أما اليوم فهي تخوضها لإحياء مشروع يبدو أنه فقد مقومات بقائه، واضعة المنطقة بأكملها رهينة لهذا المسعى
كما عادت إيران إلى سياسة استهداف دول الخليج العربي، بما فيها دول لعبت دوراً رئيساً في الوساطة التي أفضت إلى مذكرة التفاهم، وفي مقدمتها سلطنة عُمان. وتواصل طهران تبرير هذه الاعتداءات بأنها تستهدف المصالح الأميركية في المنطقة، في حين أن أبرز تلك المصالح تتمثل في إسرائيل، التي يبدو أنها لا تزال خارج دائرة المواجهة المباشرة التي تحرص إيران على تجنبها. وفي المقابل، تواصل طهران سعيها إلى تكريس نفسها قوة مهيمنة في المنطقة، من دون اكتراث بسيادة الدول أو مصالحها، ومن دون أن تلتفت حتى إلى أزماتها الداخلية أو هشاشة نفوذها في أجزاء واسعة من محيطها.
الوضع في المنطقة اليوم أكثر خطورة مما كان عليه قبل شهر. ففي ذلك الوقت، كانت إيران تخوض معركتها للوصول إلى اتفاق، أما اليوم فهي تخوضها في محاولة لإحياء مشروع يبدو أنه فقد مقومات بقائه، واضعة المنطقة بأكملها رهينة لهذا المسعى. فهل يستمر وقف إطلاق النار في لبنان؟ وهل ستبقى إسرائيل متفرجة إذا قرر "حزب الله" شن حرب إسناد جديدة؟ وماذا عن غزة؟ وماذا عن سوريا، حيث لا تزال خلايا إيران حاضرة؟ وهل ينخرط الحوثيون هذه المرة في المواجهة، كما توحي المؤشرات الأخيرة في اليمن؟
في الرسالة التي أصدرها "المرشد الإيراني الأعلى" الجديد، مجتبى خامنئي، في ختام مراسم تشييع والده علي خامنئي، برز تصعيد لافت في الخطاب. فقد توعّد بالانتقام والثأر من قتلة والده، والأخطر أنه أعلن أن ملاحقة المسؤولين لن تكون مهمة الأجهزة الإيرانية وحدها، بل سيشارك فيها، بحسب تعبيره، "أحرار العالم وأنصار الحرية". ومن الصعب فصل هذا التهديد عن الاعتداءات الإيرانية المتزايدة على دول الخليج، أو تجاهل احتمال أن يتحول إلى ذريعة لاستهداف كل دولة لا تنضوي ضمن الفلك الإيراني تحت شعار "الثأر".
وأمام هذا المشهد، تبدو جامعة الدول العربية عاجزة، كما كانت طوال عقود، عن اتخاذ موقف فعّال، أو حتى إصدار موقف سياسي يوازي حجم التهديد الذي تمثله السياسات الإيرانية. وإذا كانت بعض الدول العربية لا تزال تراهن على التقارب مع طهران، أو لم تدرك بعد حجم الخطر الذي يشكله المشروع الإيراني على أمن المنطقة وهويتها، فإن اللحظة الراهنة قد تكون فرصة للدول المستهدفة كي تنسق مواقفها، وتبني آلية مشتركة لحماية أمنها ومصالحها، سواء استمرت الحرب، أو عاد المتقاتلون غداً إلى طاولة التفاهم.