كي لا ينتصر الأسد على سوريا

كي لا ينتصر الأسد على سوريا

استمع إلى المقال دقيقة

قبل نحو أسبوع أعلنت وزارة الداخلية السورية أن التحقيقات الجارية في قضية اختفاء أطفال الدكتور عبد الرحمن ياسين والدكتورة رانيا العباسي توصلت إلى معلومات وأدلة تشير إلى مقتل الأطفال على يد مجموعات وميليشيات تابعة للنظام السابق، وذلك بعد 13 عاماً على اختفائهم قسرياً. وكان الأطفال الستة تتراوح أعمارهم يوم اعتقالهم مع والدتهم بين 14 عاماً وعامين.

شكّل خبر استشهادهم صدمة بين السوريين. صحيح أن مئات الآلاف قُتلوا واعتُقلوا وأُخفوا قسراً على يد نظام بشار الأسد، وصحيح أن آلاف الأطفال اعتُقلوا وقُتلوا وأُخفوا في غياهب السجون أو "دور الرعاية"، ولكن خبر مقتل الأطفال الستة، الذي تم التحقق منه بعد أعوام من بحث العائلة عنهم، أعاد إحياء آلام وجراح السوريين التي لم تُشفَ بعد.

عائلة الدكتور ياسين، الذي قضى هو نفسه في سجون الأسد، والدكتورة رانيا، التي قُتلت أيضاً في سجون الأسد، دعت إلى تحقيق العدالة للأطفال كما للأب والأم، ولمساعدة الأم في عيادتها، مجدولين القاضي، التي اعتُقلت مع الدكتورة رانيا ولم تعد.

في الوقت الذي يطالب فيه معظم السوريين بالعدالة الانتقالية والقصاص ممن قتل أبناءهم، تخرج أصوات، بعضها باسمها الصريح والواضح وبالصوت والصورة، وبعضها بأسماء وهمية، لتحرف البوصلة عن قضية العدالة، ولتستغل كل ألم في التحريض الطائفي. فبدل العدالة يريدون الثأر، وبدل القصاص من المجرم يريدون محاكمة طائفة بأكملها، بل وصل الأمر بالبعض إلى المطالبة بقتل أطفال من الطائفة العلوية رداً على مقتل الأطفال، في وقت لا تسمح فيه شريعة ولا قانون ولا دين بذلك. إلا أن هؤلاء يبرعون في محاولة الإيحاء بأن مطلبهم هذا شرعي وقانوني، بل ولا يتعارض مع الدين.

في الوقت الذي يطالب فيه معظم السوريين بالعدالة الانتقالية والقصاص ممن قتل أبناءهم، تخرج أصوات، بعضها باسمها الصريح والواضح وبالصوت والصورة، وبعضها بأسماء وهمية، لتحرف البوصلة عن قضية العدالة 


للوهلة الأولى، يظن المرء أن المتضرر الأول من هذه الحملات هو الطائفة العلوية، ولكن الحقيقة أن المتضرر الأول والوحيد هو سوريا؛ سوريا الوطن والدولة والشعب. فجَرُّ البلاد إلى العنف الطائفي لن ينجو منه أحد، وسوريا التي تحاول النهوض بعد عقود من القهر والعذاب لن تنهض بخطاب يدعو فئة من الشعب إلى قتل أو الاقتصاص من فئة أخرى. لن تنهض بخطاب طائفي وتقسيمي، بل ستغرق مجدداً في أتون صراعات مذهبية ودموية، ولن تتحقق العدالة، بل إن كل ما سيتحقق هو المزيد من الدماء، وكأن البعض لم يكتفِ من رؤية دماء السوريين على مدى أكثر من 14 عاماً.

الدولة مسؤولة عن هذا الأمر. فتشريع يجرّم الخطاب الطائفي أصبح ضرورة اليوم قبل الغد. ونحن أيضاً مسؤولون؛ كتّاباً وصحافيين ومواطنين يؤمنون بسوريا لجميع أبنائها. فالتصدي لهذه الحملات ليس ترفاً، بل هو منع لاندلاع الحرائق قبل الانشغال بإطفائها. ولكن هناك مسؤولية كبرى أيضاً على شركات التواصل الاجتماعي التي تسمح بنشر مثل هذا المحتوى، سواء صدر عن حسابات وهمية أم عن حسابات حقيقية.

بين عامي 2011 و2012، رفعت الحكومة العسكرية في ميانمار حظر الإنترنت، وتحول "فيسبوك" إلى المنصة الأكثر استخداماً، فاستُخدمت المنصة لنشر خطاب الكراهية. وعلى الرغم من التحذيرات المتكررة من نشطاء المجتمع المدني وتقارير الأمم المتحدة، فإن شركة "ميتا" لم تقم بإزالة الصفحات التي كانت تحرض ضد أقلية الروهينغا المسلمة. وقد استخدم الجيش الميانماري والجماعات البوذية المتطرفة المنصة للترويج لمعلومات مضللة، ما أسهم في حملات الإبادة والتطهير بحق الروهينغا.

وفي تقرير لمنظمة العفو الدولية، ورد أن "الخوارزميات الخطيرة التي استخدمتها (ميتا-Meta)، مالكة (فيسبوك)، وسعيها المتهور إلى جني الأرباح، أسهما بشكل كبير في الفظائع التي ارتكبها جيش ميانمار ضد شعب الروهينغا عام 2017". وفي عام 2018 اعترفت "ميتا" بتقصيرها، لكن هذا الاعتراف جاء بعد مقتل وتهجير مئات الآلاف من الروهينغا.

الدولة مسؤولة عن هذا الأمر. فتشريع يجرّم الخطاب الطائفي أصبح ضرورة اليوم قبل الغد. ونحن أيضاً مسؤولون؛ كتّاباً وصحافيين ومواطنين يؤمنون بسوريا لجميع أبنائها


في مقال لي على صفحات "المجلة" بعنوان "ازدواجية الغرب… ماذا عن الشرق؟"، قبل ثلاثة أعوام، كتبت: "في باكستان عام 2017، أمر (مجلس الحكماء)، المعروف أيضاً باسم (بانشايات) أو (جيرغا)، في منطقة باكستانية نائية، رجلاً باغتصاب فتاة عمرها 16 عاماً، بعدما تعرضت شقيقته للاغتصاب من قبل شقيق الفتاة التي صدر الحكم باغتصابها. وقبل ذلك بسنوات، أصدر مجلس محلي آخر قراراً باغتصاب جماعي لامرأة اتُّهم شقيقها خطأً بحوادث اغتصاب".

أعيد ذكر هذه الفقرة لأسأل: هل من عاقل يظن أن هذه عدالة؟ وهل هذه هي القوانين والأعراف التي نريد لها أن تحكم سوريا الجديدة التي دفع ملايين السوريين ثمناً باهظاً من أجل أن تتحرر وتكون وطناً لجميع السوريين؟

العدالة مطلب غير قابل للنقاش، ولكن ما يطالب به المحرضون لا يشبه العدالة، بل هو دعوة صريحة إلى اللاعدالة وإلى القتل والعنف. نعم، على السوريين أن يتذكروا ما حلّ بهم في زمن حكم الأسدين كي لا يتكرر، لا كما يدعو البعض، كي يتكرر من فئة ضد فئة أخرى.

يعتبر جورج سانتيانا، الفيلسوف والشاعر الإسباني الأميركي، أن "تجاهل التاريخ ليس مجرد جهل، بل دعوة إلى تكرار الكارثة"، ويقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه: "من يصارع الوحوش يجب عليه أن ينتبه جيداً لئلا يتحول هو بدوره إلى وحش".

على شركات التواصل الاجتماعي أن تقوم فوراً بحظر كل من يحرض على العنف على أساس ديني أو جنسي أو طائفي، لا في سوريا فحسب، بل في كل مكان في العالم. وعلى الحكومة السورية الإسراع في وضع التشريعات اللازمة لمحاسبة كل من يدعو إلى القتل والتحريض الطائفي والمذهبي. كما يتعين على جميع العقلاء التصدي لهذا الجنون الحاصل على صفحات التواصل الاجتماعي قبل أن ينتقل إلى أرض الواقع، وتتكرر مأساة الروهينغا في ميانمار هذه المرة في سوريا، وتتكرر مآسي السوريين.

font change