يتكرر الحديث عن تدخل عسكري سوري في لبنان ضد "حزب الله"، ويتكرر نفي دمشق لهذا الأمر. بدأ ذلك منذ اللحظات الأولى لسقوط نظام بشار الأسد وتولي السلطة الجديدة، ففي ذلك الحين كانت المفاوضات جارية في لبنان حول نزع سلاح ميليشيا "حزب الله". وقد أراد "الحزب" تحريف المسألة بحيث تقتصر المنطقة الخالية من سلاحه على جنوب الليطاني، وأوحى مراراً منذ ذلك الحين بأن هذا السلاح يهدف إلى حماية لبنان من السلطة الجديدة في سوريا.
استؤنفت الحرب في لبنان بين إسرائيل و"حزب الله"، وكانت الحرب أيضاً على إيران. وعزز الجيش السوري انتشاره على كامل حدوده لمنع تهريب السلاح، ومنع تسلل أي عناصر من الميليشيات التابعة لإيران إلى الداخل السوري، والقيام بما قد يقحم سوريا في الحرب الدائرة في المنطقة. وانتشرت الإشاعات عن نية التدخل العسكري السوري في لبنان، علماً أن تعزيز انتشار الجيش السوري لم يقتصر على الحدود اللبنانية. ومجدداً، أكدت دمشق، من خلال اتصالات أجراها رئيسها أحمد الشرع مع مسؤولين لبنانيين، أنه لا نية لسوريا بالتدخل، وأن انتشار الجيش على الحدود يهدف إلى حماية سوريا وأمنها.
واليوم يكرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب الحديث عن تكليف سوريا بمعالجة ملف سلاح "حزب الله". وقد سبق كلام ترمب، قبل نحو عام، تصريحات للمبعوث الأميركي الخاص السفير توم باراك، حذر فيها من أن لبنان قد يواجه "تهديداً وجودياً" إذا فشلت الدولة في معالجة ملف السلاح. وقال يومها في تصريحات صحافية: "إذا لم يتحرك لبنان، فسيعود إلى بلاد الشام من جديد".
وخرج الرئيس أحمد الشرع بالصوت والصورة، خلال لقائه وفداً من وجهاء وأعيان محافظة ريف دمشق، نافياً أي نية لبلاده بالتدخل في لبنان.
وتكرر بعد ذلك كلام ترمب بما يشبه تكليف الشرع بالملف اللبناني، مشيداً بما استطاع تحقيقه خلال عام ونصف العام في سوريا، رغم الصعوبات الجمة والتحديات. وتكرر النفي السوري، ومجدداً على لسان الرئيس الشرع.
الشرع يرفض التدخل في لبنان، ولكن على لبنان أن يرفض أيضاً، وعلى الدولة اللبنانية بكل أجهزتها أن تتحمل مسؤولياتها على كامل الجغرافيا اللبنانية
واللافت في كل هذه الإشاعات والدعوات إلى تدخل سوريا في لبنان هو غياب الرد اللبناني الرسمي، وكأن الأمر لا يعني المسؤولين اللبنانيين، وكأن سوريا وحدها هي المعنية برفض هذه الدعوات. فقد أصدر "حزب الكتائب" بياناً رفض فيه أي تدخل سوري في لبنان، مثمناً في الوقت نفسه موقف الشرع الرافض أيضاً لهذا التدخل. كما تلاحقت الأصوات السياسية الرافضة أو الساخرة من دعوات ترمب، لكن مع استمرار غياب الموقف اللبناني الرسمي.
سلاح "حزب الله" شأن لبناني قبل أي شيء آخر، وخصوصاً أن جميع الظروف الإقليمية والدولية تبدلت لصالح الدولة اللبنانية، وما كان ضرباً من الخيال قبل عامين أصبح اليوم أمراً ممكناً.
يسلّم لبنان كل أزماته الداخلية إلى الخارج ليجد لها الحلول. وحتى بعدما بدأت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، أُدرج الملف اللبناني كأحد بنود المفاوضات الأميركية-الإيرانية في إسلام آباد.
عندما صدرت قرارات الحكومة اللبنانية بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ"حزب الله"، باعتبارها خارجة عن القانون، وحصر مجال عمله في الشق السياسي، أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام رفض الحكومة لأي أعمال عسكرية أو أمنية تنطلق من الأراضي اللبنانية خارج المؤسسات الشرعية، مشدداً على أن قرار الحرب والسلم هو حصراً بيد الدولة. ولكن ها هي الولايات المتحدة الأميركية وإيران تتوصلان إلى اتفاق بشأن لبنان في غياب لبنان.
إن قرار حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ"حزب الله"، وحصر السلاح بيد الدولة، قرارات جريئة، لكنها عملياً ليست سوى تطبيق للدستور اللبناني الذي تأخر تطبيقه عشرات السنين. وما يحتاجه لبنان اليوم هو أن يمسك اللبنانيون بزمام أمورهم. فما الخطة العملية لتطبيق ما تقرر؟ وما الدور الذي سيلعبه الجيش اللبناني في ظل تعنت "حزب الله" ورفضه تسليم السلاح؟ وهل سيبقى لبنان بانتظار أن تقرر الدول مصيره؟ وهل سيعوّل بعض اللبنانيين على الحرب الإسرائيلية لإلزامه بتطبيق دستوره وتنفيذ القرارات الدولية والاتفاقات المبرمة؟
الشرع يرفض التدخل في لبنان، ولكن على لبنان أن يرفض أيضاً، وعلى الدولة اللبنانية بكل أجهزتها أن تتحمل مسؤولياتها على كامل الجغرافيا اللبنانية، بدلاً من انتظار موقف من هنا وموقف من هناك، والخشية من أن يُعتبر رفضها "تحدياً" للرئيس الأميركي، في وقت ينتظر فيه الرئيس جوزيف عون موعد لقائه في البيت الأبيض.