بين أوباما وترمب... شرق أوسط مختلف

بين أوباما وترمب... شرق أوسط مختلف

استمع إلى المقال دقيقة

في ذاكرة دول المنطقة وشعوبها، لا يزال الاتفاق النووي الذي أُبرم في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما عام 2015 حاضراً، كما لا يزال المثل القائل: "لا يُلدغ المؤمن من الجحر مرتين" راسخاً في وجدان المنطقة.

اليوم، تشير المعطيات إلى أننا قاب قوسين أو أدنى من اتفاق جديد بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية في إيران، لكن عام 2026 ليس عام 2015، ودونالد ترمب ليس باراك أوباما.

مفاوضات اليوم تأتي بعد حروب متواصلة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، خسرت خلالها إيران الكثير. وهي مفاوضات تُجرى على مرأى العالم، فيما تلتقط وسائل الإعلام صور الوفود المشاركة وهي تصل إلى إسلام آباد، على عكس اتفاق عام 2015 الذي جاء بعد سنوات من المفاوضات السرية في سلطنة عُمان.

فما بعد السابع من أكتوبر ليس كما قبله.

سقط بشار الأسد، ولم يعد "حزب الله" كما كان بعد سلسلة الحروب والمعارك التي خاضها مع إسرائيل، كما أن إسرائيل لم تعد مستعدة للتعايش مع وجود ميليشيات معادية على حدودها.

وفي الوقت نفسه، وسعت الدول العربية، ولا سيما الخليجية منها، شبكة تحالفاتها الدولية، فلم تعد الولايات المتحدة الحليف الأوحد، بل دخلت الصين وروسيا بقوة إلى المشهد، وتعززت العلاقات معهما في مختلف المجالات منذ عام 2015.

قد يكون الاتفاق المرتقب، من حيث نصوصه، مقتصراً على الملف النووي الإيراني ورفع العقوبات عن طهران، لكن المنطقة التي سيولد فيها هذا الاتفاق ليست المنطقة نفسها التي وُلد فيها اتفاق أوباما.

قد يكون الاتفاق المرتقب، من حيث نصوصه، مقتصراً على الملف النووي الإيراني ورفع العقوبات عن طهران، لكن المنطقة التي سيولد فيها هذا الاتفاق ليست المنطقة نفسها التي وُلد فيها اتفاق أوباما

في لبنان، ما زالت الأزمات تتوالى، سواء تلك الناتجة عن "حزب الله"، أو تلك التي فرضتها حرب إسرائيل و"الحزب" عليه. ولم يعد لبنان، رسمياً وشعبياً، قادراً على التعايش مع سلاح لم يجلب له خلال السنوات الست والعشرين الماضية سوى الدمار والويلات. وفي المقابل، لم تعد إسرائيل مستعدة للتعايش مع واقع يقوم على افتراض أن هذا السلاح لن يُستخدم إلا في الداخل اللبناني أو السوري.

وفي سوريا، سقط الأسد، وانشغل السوريون بإعادة بناء دولتهم؛ دولة لا تقوم على الحروب والصراعات، ولا تكون ممراً لسلاح الميليشيات. وكانت خسارة الأسد الضربة الأقسى للمشروع الإيراني، إذ انقطع الشريان الجغرافي الذي ربط طهران ببيروت لعقود.

أما العراق، فيعيش مرحلة مختلفة. فقد حاول رجل إيران، نوري المالكي، العودة إلى السلطة، لكن الفيتو الأميركي على اسمه كان أقوى من الدعم الإيراني. وحتى الميليشيات الموالية لطهران باتت مطالبة اليوم بتسليم سلاحها إلى الدولة.

وفي لبنان، تبدو المعركة أكثر تعقيداً، لكنها ليست مستحيلة. فقبل الفيتو الأميركي والإسرائيلي والعربي على سلاح "حزب الله"، هناك فيتو من غالبية اللبنانيين، فضلاً عن قرارات الحكومة اللبنانية والتزاماتها بحصر السلاح بيد الدولة.

يحاول "حزب الله" إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، لكن الفشل يبدو حليفه الدائم. فهو لم يعد قادراً على تكرار السابع من مايو/أيار، كما لم يعد قادراً على فرض حكومات تتوافق مع أهوائه، كما فعل يوم شكّل حكومة على مقاسه بقوة القمصان السوداء.

إيران نفسها تغيرت. فقُتل "مرشدها الأعلى"، وقُتل قاسم سليماني، أبرز مهندسي مشروعها التوسعي، فيما لا يفوّت الإيرانيون فرصة للتعبير عن غضبهم من الأوضاع التي آلت إليها بلادهم، والعقوبات، بلا شك، تركت آثارها العميقة.

قد تحتفل جميع الأطراف بالنصر، لكن الحقيقة تبدو أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: زمن الميليشيات يقترب من نهايته، ومشروع باراك أوباما خسر رهانه

حاولت إيران ابتزاز العالم بورقة مضيق هرمز، وتوقعت أن يهرع الجميع إلى فتحه بأي ثمن، لكن ذلك لم يحدث. وكما قلت سابقاً، فإن هذه الحرب تأخرت، وكان لا بد منها، فبعض أشكال السلام لا تولد إلا من رحم الحروب.

قد تحتفل جميع الأطراف بالنصر، لكن الحقيقة تبدو أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: زمن الميليشيات يقترب من نهايته، ومشروع باراك أوباما خسر رهانه.

فدول المنطقة وشعوبها لم تعد جوائز ترضية تُقدَّم لـ"المرشد"، إرضاءً لرؤية نخبوية استشراقية، في منطقة دفعت أثماناً باهظة كي تخرج من كنف الميليشيات إلى كنف الدولة.

font change