يقدّم افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي لمقر القيادة الاستراتيجية الجديد في مصر، المعروف على نطاق واسع باسم "الأوكتاغون"، خلاصةَ بعض الدروس التي استوعبتها الدولة المصرية من اضطرابات ماضيها القريب. كما يعكس ملامح التحول في استراتيجيتها للتعامل مع بيئة إقليمية متقلبة، وحروب تتبدل أدواتها وقواعدها.
ورغم أن المشروع، الذي تقدر كلفته بمليارات الدولارات، أثار انتقادات حادة من جانب من يرونه وجها من وجوه "البذخ" في بلد يرزح تحت أعباء الديون، فإن تصميمه وحجمه يشيران إلى طموح يتجاوز البعد الإنشائي وحده.
ويستمد المجمع اسمه من هندسته المعمارية، إذ يقوم على ثمانية مبان خارجية، يتخذ كل منها شكل المثمن. ويمتد على مساحة 22 ألف فدان، وقد وصف بأنه أكبر منشأة دفاعية في العالم.
في 4 يوليو/تموز، تقدم موكب السيسي وسط قيظ الصحراء، تحيط به عشرات الدراجات النارية، على طرق تشق العاصمة الإدارية الجديدة، المدينة الشاسعة التي تقارب سنغافورة من حيث المساحة. وفوق الموكب، حلّقت مروحيتان من طراز أباتشي، في مشهد بدا أقرب إلى لقطة سينمائية.
وعند نزوله من السيارة، ظهر السيسي مرتديا زيا عسكريا، في مشهد غير مألوف، لكنه حمل رسالة واضحة عن طبيعة المنشأة التي يستعد لافتتاحها، وعن موقعها في صميم المجال السيادي للدولة. كما أوحى الزي بأن المجمع الجديد يراد له أن يكون خط دفاع متقدّما وأخيرا عن الدولة المصرية، في سياق إقليمي تتزايد فيه أهمية الهجمات السيبرانية والتشويش وحرب المعلومات، إلى جانب التكتيكات العسكرية التقليدية، أو بديلا عنها أحيانا، وفق خبراء عسكريين.
تحول في العقيدة الاستراتيجية
ترمز المباني الثمانية الخارجية، ذات الشكل المثمن، إلى أفرع القوات المسلحة المصرية. وتحيط هذه المباني بمركزي قيادة، وترتبط بهما عبر شبكة من الممرات. وتستعير عمارة المجمع بعض عناصرها من الرموز المصرية القديمة والإسلامية، على ما يبدو، لإضفاء دلالة ثقافية وإيحاءات بالنظام والاستمرارية.
ويضم المجمع 13 منطقة عملياتية ولوجستية، تشمل منشآت محصنة ومرافق تحت الأرض، ويتولى الحرس الجمهوري المصري تأمينها جميعا.
وبحسب محللين عسكريين، صمم المجمع ليكون مركز قيادة وطنيّا موحدا وقادرا على الصمود، لإدارة العمليات العسكرية والأزمات ودمج المعلومات الاستخباراتية، ولا سيما في اللحظات الحرجة.
ويكشف إنشاؤه عن تحول واضح في العقيدة العسكرية المصرية، تشكلت ملامحه من دروس الماضي القريب، وضغوط الواقع الراهن، وتقديرات القاهرة لما قد تكون عليه المنطقة في السنوات المقبلة.
وقال اللواء نصر سالم، القائد السابق للاستطلاع في القوات المسلحة المصرية، إن افتتاح المجمع يمثل "تحولا كبيرا" في طريقة تخطيط مصر لعملياتها العسكرية، بحيث تصبح استباقية لا تفاعلية.
وأضاف، في حديث إلى "المجلة"، أن هذا التحول سيساعد الجيش المصري على تنفيذ عمليات سيبرانية أكثر فاعلية في المستقبل.

