سألت كلير بارني الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز في "الأبجدية" عما إذا كان واعيا بأهمية صوته حين إلقائه لمحاضرات جامعة فانسين؟ فأجاب: "نعم، بالتأكيد. قلنا إن الفلسفة إن كانت تخلق المفاهيم وتتناولها، فمن الطبيعي أن يكون هناك توقيع صوتي للمفاهيم، مثلما هناك أسلوب مكتوب لها".
المفهوم لا يوجد فقط في ما يقال، بل في الكيفية التي يصل بها إلى الآذان. "في الفلسفة هناك أغان وصرخات. المفاهيم ليست دائما قضايا عقلية باردة. بعضها يشبه الغناء، وبعضها الآخر يشبه الصرخة". الفيلسوف لا يخلق المفاهيم فحسب، بل يبتكر أيضا نبرة خاصة تجعل هذه المفاهيم قابلة للحياة. فكما أن لكل فيلسوف أسلوبا في الكتابة، يمكن القول إن له نظاما سمعيا خاصا به.
ربما ينبغي أن نربط هذه المسألة بكون الفلسفة المعاصرة أصبحت عند الألمان وبعدهم فلسفة أساتذة جامعيين، من هنا صار الصوت وطريقة الإلقاء أسلوب الفلسفة، وصارت لكل فيلسوف نغمة يلقي بها درسه، وغدا المفهوم صوتا موقعا. فالكثير من النصوص الفلسفية الكبرى في القرنين التاسع عشر والعشرين خرجت أصلا من فضاء الدرس: محاضرات هيغل، دروس شيلينغ، دروس أوغست كانط، محاضرات هوسرل، دروس هايدغر، دروس برغسون وهيبوليت وميرلوبونتي... ثم لاحقا محاضرات دولوز وندوات دريدا ودروس فوكو.
نذكر خاتمة الدرس الافتتاحي لميشيل فوكو في "الكوليج دي فرانس" وهو يستذكر صوت معلمه جان هيبوليت: "أفهم الآن لماذا استشعرت كثيرا من الصعوبة في بداية درسي هذا، كما أدرك ذلك الصوت الذي كنت أرغب أن يتخطاني ويحملني ويدعوني إلى الحديث، ذلك الصوت الذي يستوطن خطابي الخاص. أعلم الآن ماذا كان يزعجني عند تناول الكلمة، لأنني أتناولها في المكان الذي كنت أستمع إليه، والذي غاب عنه إلى الأبد. أتناول الكلمة إذن عساه يسمعني". في هذا المعنى يؤكد دولوز أن "الإنسان قد يتذكر بعد سنوات النبرة التي قيلت بها الفكرة، أكثر مما يتذكر مضمونها النظري".
لا يكفي إذن أن نقرأ النصوص المنشورة لفهم الفيلسوف، بل ينبغي أن نستعيد المشهد الصوتي الذي ولدت فيه. هذه أيضا حال الشعراء. ولعل هايدغر يشكل محطة حاسمة في هذا المضمار. ففلسفته نفسها تقوم على النداء والإصغاء والإنصات. هذا الاهتمام النظري بالسمع يوازيه حضور قوي لصوت الأستاذ الجامعي. كثير ممن حضروا دروس هايدغر تحدثوا عن أثر الإلقاء والإيقاع والتوقفات، بقدر ما تحدثوا عن المضامين.
أما مع دولوز فإن الأمر يبلغ درجة أقوى. فالدروس التي ألقاها في جامعة باريس الثامنة، ليست مجرد شروح لمفاهيم موجودة سلفا، بل هي مختبر لإنتاج المفاهيم ذاتها، وهي توقيع صوتي على تلك المفاهيم. في هذا المعنى يقول: "الدرس أقرب إلى الموسيقى منه إلى الخطابة". عندما نستمع اليوم إلى تسجيلاته، نشعر أن المفهوم يولد في صوته الذي لم يكن من السهل إسماعه، في حشرجته وتردده وتوقفاته أحيانا، وفي تسارعه أحيانا أخرى، وفي تلك الجمل التي تبدو وكأنها تبحث عن شكلها أثناء التلفظ بها.
ليس لكل مفهوم توقيع صوتي فحسب، بل ربما لكل فيلسوف "صوت مفهومي" خاص. فكما نتعرف إلى كاتب من أسلوبه المكتوب، يمكن أن نتعرف إلى الفيلسوف من نبرته وإيقاعه وطريقته في بناء الجملة الشفوية. ما زالت عالقة بسمعي حتى الآن دروس السوربون الإذاعية التي كانت تبث لـ يانكيليفيتش خلال الستينات.
لعل الأمر يستدعي رد الاعتبار إلى ما يمكن تسميته "الأرشيف السمعي للفلسفة". فنحن نمتلك أعمال هيغل أو نيتشه مكتوبة، لكننا لا نعرف أصواتهما. أما مع فوكو ودولوز وبارت ودريدا فقد أصبح الصوت نفسه جزءا من تراثهم الفلسفي.
ربما يمكن الذهاب حتى القول إن الفلسفة الفرنسية المعاصرة، منذ ستينات القرن الماضي، لم تنتشر عالميا بفضل الكتب وحدها، بل بفضل نوع خاص من الأداء الفكري. فدروس دولوز، ومحاضرات فوكو، وندوات لاكان، ليست مجرد وسائل لنقل الفكر، بل هي أشكال من إنتاجه و"إخراجه".
كان أحد أساتذتي يقول: "أشعر، إن ألقيت محاضرتي باللغة العربية، أنني أنشدها وأغنيها، عكس ما إذا ألقيتها بلغة أجنبية، فإن صوتي يتخذ نغمة التلميذ الذي يتلو". حين يتحدث المرء بلغته الأم، لا يستعمل لغة فقط، بل يسكن فضاء صوتيا تشكل فيه منذ الطفولة. عندئذ لا تكون الكلمات مجرد علامات تنقل معنى، بل تحمل معها إيقاعات ومقامات ونغمات راسخة في الجسد نفسه. لذلك يصبح الإلقاء أقرب إلى الإنشاد، ليس بمعنى الجمالية البلاغية، بل بمعنى أن الفكر يتحرك على إيقاع اللغة من الداخل.
ليس لكل مفهوم توقيع صوتي فحسب، بل ربما لكل فيلسوف "صوت مفهومي" خاص
أما في اللغة الأجنبية، فغالبا ما يحدث نوع من الانفصال بين الفكر والصوت. فكأن المرء يكون منشغلا بصحة العبارة، وباختيار المفردة المناسبة، وبمراقبة التركيب، لذلك يصبح الصوت أكثر حذرا وأقل تحررا، فلا يعود ينشد، بل يقرأ ويتلو. كأن المتكلم ينتقل من وضعية "مالك اللغة" إلى وضعية "مستعيرها"، ولذلك يتغير صوته، ليس فقط لأن مخارج الحروف تختلف، بل لأن علاقته بما يقوله ليست هي هي. في اللغة الأم لا نفكر فقط بالكلمات، بل بإيقاعها أيضا، أما في اللغة الأجنبية فإننا نفكر غالبا قبل الإيقاع.
من هنا يمكن أن نفهم لماذا يبدو بعض الفلاسفة مختلفين جذريا عندما نستمع إليهم في لغتهم الأصلية. فهناك جزء من المفهوم لا يسكن النص، بل يسكن النبرة، وجزء من النبرة لا يترجم، لأنه مرتبط بالطريقة التي تتنفس بها اللغة نفسها.
ربما أمكننا أن نذهب أبعد من ذلك فنزعم أن هناك أصواتا مقنعة، وأخرى أقل إقناعا، مثلما أن هناك في الكتابة أساليب مقنعة وأخرى ليست كذلك. يكون الصوت مقنعا بمعنى أعمق من مجرد جمال النبرة أو قوة الحضور. الصوت المقنع هو الصوت الذي يجعل الفكر يبدو وكأنه يجد شكله الطبيعي فيه، وأن هناك تطابقا بين الفكرة ونبرتها.
نلمس هذا عند قدماء البلاغيين، فالإقناع لم يكن في التقليد اليوناني القديم مسألة حجج فقط، بل كان أيضا مسألة صوت وإلقاء. كان الخطباء القدماء يعلمون أن الحجة الواحدة قد تنجح أو تفشل بحسب الطريقة التي تلقى بها، حتى إن بعض البلاغيين كانوا يعتبرون الإلقاء أهم عناصر الخطابة.
تعود المسألة في نهاية الأمر إلى مكانة الموسيقى ودورها في الإقناع وعلاقتها بالفكر. وربما من أجل ذلك فإن الفلسفة، منذ أفلاطون على الأقل، أقامت علاقة ملتبسة بالموسيقى. فمن جهة، كانت تخشى سلطانها الإقناعي لأنها تؤثر في النفس دون المرور بالبرهان، ومن جهة أخرى، لم تستطع الاستغناء عنها تماما، لأن الفكر نفسه يحتاج إلى إيقاع لكي يسمع ويفهم ويعاش.