منطق الوريث ومنطق الشريك

منطق الوريث ومنطق الشريك

استمع إلى المقال دقيقة

عندما سئل دولوز عن كونه لم يعمل على إنشاء "مدرسة دولوزية"، وتكوين تلامذة و"مريدين"؟ أجاب ساخرا: "ليس صحيحا أنني رفضت ذلك، بل ربما لم يرغب أحد في أن يكون تلميذي! ". إلا أنه سرعان ما انتقل من المزاح إلى التحليل الجدي ليبين أن "المدرسة" الفكرية تستهلك وقتا، وتخلق صراعات داخلية، ونزاعات حول الشرعية، ويضرب أمثلة على ذلك بما نراه يحدث لأتباع هايدغر ولاكان في فرنسا.

يميز دولوز "المدرسة" عن "الحركة": "المدرسة نقيض الحركة. فبينما تحولت السوريالية إلى مدرسة، فإن الدادائية ظلت حركة". ما كان يهم الفيلسوف الفرنسي هو إبداع الأفكار لا تنظيمها في مؤسسة، يقول: "كنت أريد أن أعلم الطلاب أن يكونوا سعداء بوحدتهم".

الناس يهابون الوحدة، ولذلك يبحثون باستمرار عن الانتماء إلى جماعات ومدارس واتجاهات، والاحتماء بها. لكن الإبداع لا يولد إلا في العزلة. لا يقصد دولوز، بطبيعة الحال، عزلة الانقطاع عن الآخرين، بل تلك المسافة الداخلية التي تسمح للفرد بأن يفكر بنفسه، وألا يكون صدى لصوت الجماعة. ولهذا فهو يرى أن المهمة الحقيقية للأستاذ ليست تكوين أتباع، بل "أن يصالح الناس مع وحدتهم" كما يقول.

ومن هنا أيضا رغبته في أن تتحول المفهومات إلى أدوات حرة يتصرف بها الآخرون كما يشاؤون. فـ"المفهوم" لا ينبغي أن يبقى ملكا لصاحبه وحصرا عليه. يجب أن يدخل التداول العام، أن يعيش حياة مستقلة عن مبدعه. المفهومات ليست علامات تجارية، إنها أدوات. فكما أن المطرقة لا تظل ملكا للنجار الذي صنعها، فإن المفهوم ينبغي أن يصبح متاحا لكل من يستطيع استعماله، ولهذا كان دولوز يردد أن المفهومات تخلق لكي تستعمل، لا لكي تعبد. وحين يصبح الناس يرددون المفهوم بوصفه مقدسا، يكون قد فقد وظيفته الأصلية. إن قيمة المفهوم هي في قدرته على إنتاج أفكار جديدة عند آخرين، لا في نسبه إلى مؤلفه.

لا ينبغي أن نحصر ما يقوله دولوز هنا في إطار بيداغوجي صرف، والنظر إليه بعده علاقة بين أستاذ وطلبة. المدرسة هنا ليست مجرد مؤسسة تعليمية، وإنما هي جهاز لإعادة إنتاج المعرفة، ومجال لتحول فكر الأستاذ إلى مرجع ينبغي الدفاع عنه وحمايته، وعندئذ ينتقل الاهتمام من إنتاج الأفكار إلى حراسة العقيدة وصونها.

ولهذا تم الحديث عن "الشرعية". إن المدرسة طقوس انتماء ومعارك تستنزف طاقة هائلة في أسئلة من قبيل: من يمثل الفكر الحقيقي للأستاذ؟ ومن يملك شرعية تفسير نصوصه؟ من هو وريثه الشرعي؟ في هذا المعنى تم الاستشهاد بمدرستي هايدغر ولاكان، حيث غدا الصراع على الانتساب وعلى الشرعية أكثر أهمية من تطوير الفكر نفسه. فالمدرسة تحول الفلسفة إلى مؤسسة، والمؤسسة لا تنتج إلا ما يسميه ميشيل فوكو "أنظمة الحقيقة"، أي الآليات التي تحدد من يحق له الكلام وكيف ينبغي أن يفهم الكلام، فبينما تتسم الحركة بالانفتاح، وبكونها لا تحوم حول مركز بعينه، ولا تروج لعقيدة نهائية، فإن المدرسة تثبت ما كان متحركا، وترسم الحدود لما كان قابلا للامتداد.

المدرسة هنا ليست مجرد مؤسسة تعليمية، وإنما هي جهاز لإعادة إنتاج المعرفة، ومجال لتحول فكر الأستاذ إلى مرجع ينبغي الدفاع عنه وحمايته

مهمة المعلم إذن ليس أن يلقن عقيدة بعينها، وإنما "أن يعلم طلابه أن يكونوا سعداء بوحدتهم". الوحدة هنا، كما أشرنا، ليست عزلة اجتماعية، ولا انسحابا من العالم، وإنما هي استقلال داخلي. فالإنسان يتهيب أن يترك لنفسه، وأن يفكر لوحده، لأن التفكير الحقيقي يضعه خارج الجماعة ويولد "المسافات". ولهذا فهو يبحث دائما عن مدرسة أو تيار أو حزب أو "عائلة فكرية" تمنحه شعورا بالأمان. ومن هنا تصبح الوحدة فضيلة فلسفية، لأنها اللحظة التي لا يعود فيها الفرد يستمد شرعية أفكاره من الآخرين، ويتحرر من "التقليد".

ربما لا يعمل دولوز هنا إلا على ترديد عبارة لنيتشه في "زرادشت" مؤداها: ليس المهم أن يكون لك أتباع، بل أن تستطيع أن تمشي وحدك. إن نجاح الأستاذ لا يقاس بعدد المنتسبين إليه. إنه يقاس بعدد الذين "غادروا" فكره ليبتكروا أفكارهم الخاصة. كان أرسطو، تلميذ أفلاطون في "الأكاديمية"، يقول: "إنني أحب معلمي أفلاطون، إلا أن حبي للحقيقة أشد".

رغم أن سياق الحوار هو عن الأستاذية والتدريس، فإن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن المدرسة ينبغي أن تفهم هنا كانتماء لعائلة، كانتساب وهوية، فإن كان ما يطبع الانتماء إلى مدرسة فكرية هو التماهي والهوية، فإن ما يطبع الحركة هو الاختلاف، لذا يتكلم دولوز في سياق آخر عن "الشبكات الفكرية".

كلمة École  عند دولوز لا تشير أساسا إلى مؤسسة للتدريس، حتى إن كان السياق حوارا حول الأستاذية، وإنما إلى نظام للانتساب، أي إلى تكوين هوية جماعية حول اسم مؤسس. المدرسة "جامعة" توحد، إنها ما يجعل الناس يقولون: "أنا هايدغري"، "أنا لاكاني"، "أنا ماركسي"، "أنا سوريالي". إنها إنتاج هوية قبل أن تكون إنتاج معرفة. ومن هنا يصبح التقابل الذي يقيمه دولوز أعمق: المدرسة تنتج الهوية، أما الحركة فتولد الاختلاف. المدرسة لا تكتفي بجمع الأفراد، بل تجعلهم يتقاسمون لغة مشتركة، ومفاهيم معترفا بها، وحدودا لما يجوز التفكير فيه. إنها تخلق ما يمكن تسميته بـ"نحن". أما الحركة فلا تؤسس "نحن" منغلقة، وإنما تفتح فضاء للالتقاء دون إلغاء التفرد، إنها مجال لخلق "التفردات".

بهذا المعنى، فالمدرسة تمثل عودة الفكر إلى منطق التمثيل représentation، أي إلى تصنيف الأشخاص والأفكار داخل هويات ثابتة.

ولهذا السبب أيضا يفضل دولوز، في سياق آخر، استعمال مفهوم الشبكة أو ما يسميه في مواضع أخرى، مع غواتاري، الجذمور أو "الريزوم" تمييزا له عن الشجرة: الشجرة كيفية عمل، وجهاز يغرس في الأذهان كي ينبت في استقامة انطلاقا من بذرة، ويثمر أفكارا تنعت بالصائبة. إنها تكوين ونمو وتاريخ وتطور، منظومة تراتبية، وانتقال لأوامر تصدر عن مركز وتعمل وفق ذاكرة استرجاعية تؤطر الممكن. إنها تتجذر في أصل، وتعلو صوب اتجاه عمودي واحد، وسرعان ما تغدو آلة للتفرعات الثنائية.

مقابل الشجرة هناك الجذمور، هناك الأعشاب التي لا تزول بقطع جذورها، إذ سرعان ما تتجدد وتتدفق من أي نقطة صوب أي وجهة، فتفيض على الحدود وتغمر الآلات الثنائية، وفق خطوط لا تؤول إلى حركة نقطة، خطوط لا بداية لها ولا نهاية، خطوط هاربة. فلا منظومة تراتبية هنا، وإنما ترابط عشوائي وانقطاعات غير متوقعة، ومصائر لا تقبل أن تختزل في أحد طرفي الثنائيات، مصائر بينية لا انتقالية، لا ماضي لها ولا مستقبل. مصائر من غير ذاكرة. هي خرائط وليست مآثر، جغرافية وليست تاريخا، ترحل وليس استيطانا. "الريزوم" شبكات لا تعرف المركز والأطراف، ولا المؤسس والأتباع، ولا الأصل والفروع، إنها تقوم على الاتصال والعبور، لا على النسب والوراثة.

لا منظومة تراتبية هنا، وإنما ترابط عشوائي وانقطاعات غير متوقعة، ومصائر لا تقبل أن تختزل في أحد طرفي الثنائيات

كأن المفكر الفرنسي هنا يقيم تعارضا بين منطقين مختلفين للعلاقات الفكرية: منطق "السلالات" و"القرابة والانتساب": الأستاذ، التلميذ، السلف، الوريث، الشرعية، النسب الفكري... وهو منطق المدرسة. ثم منطق "التحالف واللقاء": لقاءات عابرة بين أفكار وأشخاص ومفاهيم تتولد عنها إمكانات جديدة دون أن تخلق نسبا أو هوية، وهذا هو منطق الحركة. منطقان إذن: منطق الوريث ومنطق الشريك.

على هذا النحو فإن الحركة، أو "الشبكة الفكرية"، ليست مجرد صيغة تنظيمية بديلة عن المدرسة، بل هي تجسيد لأنطولوجيا الاختلاف نفسها: إنها اتصال بلا مركز، وتقارب بلا تطابق، وانتساب هارب، وعلاقات بلا هوية نهائية.

font change

مقالات ذات صلة