"التمهيدات" الفلسفية بوصفها لحظات وعي النص بذاته

تقليد رسخه كبار الفلاسفة الألمان

  Jean-Christophe VERHAEGEN / AFP
Jean-Christophe VERHAEGEN / AFP
تمثال للمفكر والفيلسوف الألماني كارل ماركس، من أعمال الفنان وو ويشان، في مدينة ترير الألمانية، 2 ديسمبر 2020

"التمهيدات" الفلسفية بوصفها لحظات وعي النص بذاته

هل يمكن القول إن كتابة التمهيدات في الفلسفة تقليد ألماني في الأساس؟ تحضرنا، فورا، تمهيدات شهيرة: "تمهيد الطبعة الثانية" لـ"نقد العقل الخالص" عند كانط، وتمهيد هيغل لـ"فينومينولوجيا الروح"، وتمهيد ماركس لـ"نقد الاقتصاد السياسي"، فضلا عن تمهيدات شوبنهاور ونيتشه وهوسرل.

لكن ما يلفت في هذه الأمثلة، الوظيفة التي يؤديها التمهيد. فهو يصبح موضعا لتموقع فلسفي، يحتاج فيه الفيلسوف إلى تحديد موقع مشروعه من تاريخ الفلسفة، ومن أسلافه، وأحيانا من مؤلفه هو نفسه. من هنا يمكن أن يتحول السؤال، فليس المهم أن نعرف إن كان "التمهيد" جنسا ألمانيا، بقدر ما أن نسأل: ماذا يحدث حين يعود الفيلسوف إلى نصه؟ ومن الذي يتكلم في هذه العودة، المؤلف عن النص، أم النص عن نفسه بواسطة مؤلفه؟

بين المدخل والتمهيد

لا ينبغي، بداية، الخلط بين المدخل والتمهيد. فالمدخل (Einleitung) جزء من البناء الحجاجي للكتاب، يمهد للمشكلة وللمسار الذي سيتخذه المتن، أما التمهيد (Vorrede)، أو ما يقابله في الفرنسية préface، فيقف على عتبة الكتاب، وغالبا ما يكتب بعد الانتهاء منه أو يضاف إلى طبعة لاحقة، فيخاطب القراء أو النقاد أو ظروف النشر، ويحمل لذلك بعدا تاريخيا أو شخصيا أو دفاعيا.

المثل الأكثر وضوحا هو "فينومينولوجيا الروح" لهيغل. فالكتاب يضم فعلا تمهيدا ومدخلا. يمهد المدخل لمسار الوعي الذي سيعرضه الكتاب، بينما يناقش التمهيد مسائل أعم تتعلق بطبيعة الفلسفة والحقيقة والنسق. غير أن المفارقة أن هيغل، وهو يكتب أحد أشهر التمهيدات في تاريخ الفلسفة، يشكك في إمكان التمهيد ذاته. فالحقيقة، بما أنها صيرورة، لا يمكن تقديمها مسبقا في صورة نتيجة منفصلة عن مسارها. فكأن هيغل يكتب تمهيدا لنقد فكرة التمهيد.

هذه المفارقة هي ما يهمنا هنا، فالتمهيد يوجد خارج النص من حيث موقعه، لكنه قد يكون أكثر النصوص كشفا عن علاقة النص بنفسه.

إذا قلنا إن التمهيد عرف ازدهارا خاصا في التقليد الألماني، فلا ينبغي أن نفهم ذلك بمعنى قومي. الأمر يتعلق بفضاء فلسفي ولغوي أوسع، يمتد من كانط وهيغل إلى نيتشه وماركس وشوبنهاور وهوسرل، بل إلى النمساوي فيتغنشتاين، فيجعل من العودة إلى النص مناسبة للتفكير في المنهج والنسق وتاريخ المشروع الفلسفي.

ثقافة الطبعات المتعددة

قد تكون ثقافة "الطبعات المتعددة" المقترنة بجدال أكاديمي هي التي دفعت الألمان إلى ابتداع هذا الجنس. ففي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فرض التقليد الألماني على الفيلسوف أن يعيد نشر كتبه مرارا، وكل طبعة جديدة كانت تستدعي تمهيدا يصفي فيه حسابه مع النقاد ويعيد تموضع كتابه وتموضعه هو نفسه. فكأن التمهيد أساسا نمط مؤسسي يرتبط بالتدريس الجامعي والنشر، وهذا قبل أن يكون "جنسا" كتابيا.

النص، في الفترة الفاصلة بين لحظة كتابته ولحظة كتابة التمهيد، لا يبقى ساكنا. إنه يدخل العالم، يقرأ، وينتقد، ويساء فهمه، ويكتسب تاريخا خاصا به

على هذا النحو، يبدو أن الفرضية الأدق ليس أن نقول إن التمهيد، بما هو كذلك، جنس أدبي ألماني، إنما تحويله إلى موضع لوعي الفيلسوف بتاريخيته الخاصة. ولعل هذا مرتبط بحساسية ألمانية عميقة تجاه الزمن وبوعي تاريخي حاد (بدءا من هيردر وهيغل)، يجعلان الفيلسوف الألماني عاجزا عن الاكتفاء بعرض نسقه، فهو محتاج على الدوام أن يروي كيف ولماذا وصل إليه، تجعله يموقعه تاريخيا، فيكتب له تمهيدا من أجل ذلك.

لكن هذا التفسير المؤسسي لا يبدو كافيا، فما يهم ليس مجرد أن الفيلسوف يعود إلى كتابه، بل كيف يعود إليه. ذلك أن النص، في الفترة الفاصلة بين لحظة كتابته ولحظة كتابة التمهيد، لا يبقى ساكنا. إنه يدخل العالم، يقرأ، وينتقد، ويساء فهمه، ويكتسب تاريخا خاصا به. وحين يعود إليه المؤلف، لا يعود إلى النص ذاته من الموقع نفسه.

غلاف "نقد العقل الخالص"

لنأخذ كانط على سبيل المثل. ففي تمهيد الطبعة الثانية لـ"نقد العقل الخالص"، يعود إلى كتابه بعد الاعتراضات التي أثارتها الطبعة الأولى. وقد أدخل تعديلات مهمة على بعض الحجاج وأضاف "دحض المثالية"، ومع ذلك، لا يقدم نفسه باعتباره مؤلفا يعترف بخطأ سابق، بل باعتباره مؤلفا يسعى إلى توضيح ما لم يفهم كما ينبغي. لا يقول كانط: "كنت مخطئا". يكاد يقول: أنا لم أفهم. وهذا الفارق مهم. فالتعديل يقدم بوصفه توضيحا للمشروع لا قطيعة معه. لكن التمهيد، في الوقت نفسه، يغير طريقة دخولنا إلى النص، ويعيد تحديد أفق قراءته.

غلاف "إنسان مفرط في إنسانيته" لفريدريش نيتشه

أما نيتشه فيكاد يجعل التمهيد جنسا أدبيا قائما بذاته، وتمهيداته تشكل مشروعا كاملا بدأ سنة 1886 حين أعاد إصدار كتبه السابقة ("إنسان مفرط في إنسانيته"، "الفجر"، تمهيد "العلم المرح" 1887 لطبعة كتبت أصلا 1882...) وكتب لكل منها تمهيدا جديدا بنبرة نقدية لذاته السابقة، فيتحول التمهيد إلى مسافة زمنية وسيرة ذاتية، كأن الفيلسوف الألماني يقول: "هكذا كنت حين كتبت هذا". وهنا تظهر إحدى مفارقات التمهيد: إنه النص الذي يكتبه مؤلف لاحق عن كتاب كتبه مؤلف سابق، مع أن الاثنين يحملان الاسم نفسه.

مواصلة حركة النص

التمهيد يواصل حركة النص، يجعله يذهب أبعد مما ذهب إليه، دون أن يقيم بينه وبينه قطيعة. فنيتشه، في تمهيدات 1886، يعيد قراءة كتبه الشابة كأطوار ضرورية في صيرورته. وحتى ماركس في تمهيد 1859 لا يراجع "نقد الاقتصاد السياسي" بقدر ما يمنحه بنية تحتية نظرية (المادية التاريخية) لم تكن معلنة بهذا الوضوح من قبل.

غلاف "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي"

قد يرد على هذا بمثال "تمهيد الطبعة الثانية". صحيح أن كانط يستبدل فعليا حجاجا كاملا (الاستنباط الترنسندنتالي) ويضيف "دحض المثالية" ردا مباشرا على النقد الذي تعرضت له الطبعة الأولى، إلا أن صاحب "نقد العقل الخالص" لا يعتبر ما حصل من قبيل الخطأ، بل من قبيل سوء فهم، وهذا فارق حاسم. فالتصحيح يقدم دوما بوصفه توضيحا لما كان مقصودا أصلا، لا تراجعا عنه، أي أن الحركة النقدية (الترنسندنتالية) تفترض ثابتة. هذا بالضبط ما يجعل كانط يختلف عن ديكارت مثلا، الذي في ردوده على "الاعتراضات" يقبل أحيانا بإعادة صوغ حجته بشكل يقترب من التنازل الحقيقي. وهذا ما يبرر أن القراء الذين يحيلون إلى كتاب "نقد العقل الخالص في استعماله النظري" ما زالوا إلى اليوم، يشيرون إلى أي طبعة يحيلون، ما دامت الطبعة الثانية لم تلغ الأولى.

العودة إلى الكتاب قد تكون استئنافا لحركته، وجعله يمتد ويذهب أبعد مما ذهب إليه في لحظة كتابته الأولى، وليست بالضرورة تصحيحا له أو تنصلا منه

المسافة إذن لا تعني بالضرورة التنكر للنص. فالتمهيد لا يقوم دائما مقام محاكمة للماضي، بل قد يكون، على العكس، طريقة لتمديده. نستطيع هنا أن نستعيد عبارة دولوز عن جعل النص "يمتد". فالعودة إلى الكتاب قد تكون استئنافا لحركته، وجعله يمتد ويذهب أبعد مما ذهب إليه في لحظة كتابته الأولى، وليست بالضرورة تصحيحا له أو تنصلا منه.

حالة هوسرل أكثر تعقيدا. ففي عودته إلى "البحوث المنطقية" وإعادة تحديده اللاحقة للمشروع الفينومينولوجي، يبدو أنه يعترف أحيانا بأن النص السابق لم يكن راديكاليا بما يكفي، فهل يتعلق الأمر هنا بتراجع حقيقي؟

ربما لا ينبغي الاختيار بين التراجع والاستمرارية. فمن الممكن أن نقول إن هوسرل اكتشف في نصه السابق إمكانا لم يكن قد تحقق بعد. كانت الحركة الفينومينولوجية قد بدأت، لكنها لم تكن قد بلغت، بالنسبة إلى وعي صاحبها نفسه، المدى الذي ستبلغه لاحقا. وهنا نصل إلى السؤال الأساس: هل يعرف المؤلف، حين يكتب نصه، كل ما يقوله النص والكيفية التي سيتلقى بها؟

 STRINGER / AFP
متحف الفيلسوف إيمانويل كانط في جيب كالينينغراد الروسي، في صورة غير مؤرخة

الأصلي واللاحق

ربما كانت التمهيدات المتأخرة تشير إلى أن الجواب ليس بالضرورة إيجابيا. فالنص، حين يكتب، قد يطلق حركة تتجاوز الوعي الكامل لمن كتبه، وبعد سنوات، حين يعود المؤلف إليه، قد يكتشف فيه إمكانات لم يكن واعيا بها، أو حدودا لم يكن قد أدركها. بهذا المعنى، لا يكون "التمهيد" مجرد تعقيب يكتبه المؤلف عن كتابه. يصبح اللحظة التي يلتحق فيها وعي المؤلف بما كان نصه قد بدأ في إنتاجه.

وهنا يفيدنا تمييز جيرار جينيت بين "التمهيد الأصلي" و"التمهيد اللاحق". ففي الحالة الثانية، لا يعود المؤلف إلى نصه من الموقع نفسه. لقد أصبح قارئا آخر، وأصبح النص، بفعل الزمن، غريبا عنه بالمعنى الذي قد يصفه نيتشه نفسه حين يقول إنه يقرأ كتبه القديمة كأنها كانت لشخص آخر.

لكن لا ينبغي أن نفترض أن التمهيد لا يفعل سوى الكشف عن معنى كان مكتملا في النص منذ البداية، فهو قد يغير أيضا أفق القراءة ويجعل معاني جديدة ممكنة. لذلك فالتمهيد لا يضيف إلى النص معنى من خارجه، ولا يكتفي بالكشف عما كان موجودا فيه، إذ يعيد تنظيم إمكانات معناه في ضوء الزمن الذي يفصل المؤلف عنه.

إن لم يكن الفرنسيون قد أولوا عناية بالتمهيدات، فربما هم من أنتجوا أهم نظرية فلسفية عن التمهيد في القرن العشرين، أشير هنا إلى نص دريدا "خارج الكتاب: تمهيدات" (Hors livre: préfaces)، المكتوب أصلا كتمهيد لـكتابه "التشتت" (La Dissémination). ودريدا يفكك هنا إمكان التمهيد بنيويا، ويقول إن كل تمهيد يدعي أنه يسبق النص زمنيا (بما هو "تمهيد له" pré-face) بينما هو في الواقع مكتوب بعده. التمهيد كذبة بنيوية عن الزمن، وعد بحضور استباقي يخونه واقع الكتابة نفسها. فالتمهيد يدعي، بحكم موقعه، أنه يسبق النص، بينما يكتب في الغالب بعده. إنه يعد القارئ بأن يقوده إلى الكتاب، لكن الكتاب هو الذي سبق التمهيد في زمن الكتابة، هو الذي يقود.

 JOEL ROBINE / AFP
الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا في منزله قرب باريس، 6 يناير 2001

كلما حاول المؤلف أن يقول للقارئ: "اقرأ كتابي بهذه الطريقة"، أضاف نصا جديدا إلى الكتاب. فالتمهيد يريد أن يكون كلاما عن النص، لكنه يصبح بدوره جزءا من تاريخ النص وتأويله. إنه خارج الكتاب من حيث موقعه، لكنه يدخل في فعاليته. إنه، إذا جاز القول، "داخل من موقع الخارج".

لا ينبغي أن نقول إن المؤلف هو الذي يعود إلى نصه، فربما كان النص هو الذي يعود، عبر الزمن، إلى مؤلفه

ربما كان هذا هو المعنى الأعمق للتمهيدات. فهي تكشف أن المؤلف ليس بالضرورة المصدر السيادي لمعنى نصه. النص، حين يكتب، يطلق حركة قد تفيض عن وعي من كتبه، ويكون للمؤلف، بعد سنوات، أن يتعلم من نصه بدل أن يكتفي بشرحه. ذلك أن "وعي النص بذاته" لا يعني، في طبيعة الحال، أنه يمتلك وعيا مستقلا، بل يشير إلى تلك المفارقة التي يجد فيها المؤلف نفسه مضطرا إلى اكتشاف ما صار عليه نصه وما فعله في العالم وما لم يكن هو نفسه يعرفه عنه لحظة كتابته. "التمهيد" هو اللحظة التي يلتحق فيها وعي المؤلف بتاريخ نصه.

لهذا فإن الكتاب لا ينتهي حين يضع المؤلف القلم. إنه يدخل العالم، ويكتسب قراءاته واعتراضاته وسوء فهمه وتحولاته، وحين يعود إليه صاحبه، لا يعود إلى شيء ثابت كما تركه، بل إلى نص أصبح له تاريخ. ولعلنا، لذلك، لا ينبغي أن نقول إن المؤلف هو الذي يعود إلى نصه، فربما كان النص هو الذي يعود، عبر الزمن، إلى مؤلفه لـ"يمهد" له الطريق من جديد.

font change