هل يمكن القول إن كتابة التمهيدات في الفلسفة تقليد ألماني في الأساس؟ تحضرنا، فورا، تمهيدات شهيرة: "تمهيد الطبعة الثانية" لـ"نقد العقل الخالص" عند كانط، وتمهيد هيغل لـ"فينومينولوجيا الروح"، وتمهيد ماركس لـ"نقد الاقتصاد السياسي"، فضلا عن تمهيدات شوبنهاور ونيتشه وهوسرل.
لكن ما يلفت في هذه الأمثلة، الوظيفة التي يؤديها التمهيد. فهو يصبح موضعا لتموقع فلسفي، يحتاج فيه الفيلسوف إلى تحديد موقع مشروعه من تاريخ الفلسفة، ومن أسلافه، وأحيانا من مؤلفه هو نفسه. من هنا يمكن أن يتحول السؤال، فليس المهم أن نعرف إن كان "التمهيد" جنسا ألمانيا، بقدر ما أن نسأل: ماذا يحدث حين يعود الفيلسوف إلى نصه؟ ومن الذي يتكلم في هذه العودة، المؤلف عن النص، أم النص عن نفسه بواسطة مؤلفه؟
بين المدخل والتمهيد
لا ينبغي، بداية، الخلط بين المدخل والتمهيد. فالمدخل (Einleitung) جزء من البناء الحجاجي للكتاب، يمهد للمشكلة وللمسار الذي سيتخذه المتن، أما التمهيد (Vorrede)، أو ما يقابله في الفرنسية préface، فيقف على عتبة الكتاب، وغالبا ما يكتب بعد الانتهاء منه أو يضاف إلى طبعة لاحقة، فيخاطب القراء أو النقاد أو ظروف النشر، ويحمل لذلك بعدا تاريخيا أو شخصيا أو دفاعيا.
المثل الأكثر وضوحا هو "فينومينولوجيا الروح" لهيغل. فالكتاب يضم فعلا تمهيدا ومدخلا. يمهد المدخل لمسار الوعي الذي سيعرضه الكتاب، بينما يناقش التمهيد مسائل أعم تتعلق بطبيعة الفلسفة والحقيقة والنسق. غير أن المفارقة أن هيغل، وهو يكتب أحد أشهر التمهيدات في تاريخ الفلسفة، يشكك في إمكان التمهيد ذاته. فالحقيقة، بما أنها صيرورة، لا يمكن تقديمها مسبقا في صورة نتيجة منفصلة عن مسارها. فكأن هيغل يكتب تمهيدا لنقد فكرة التمهيد.
هذه المفارقة هي ما يهمنا هنا، فالتمهيد يوجد خارج النص من حيث موقعه، لكنه قد يكون أكثر النصوص كشفا عن علاقة النص بنفسه.
إذا قلنا إن التمهيد عرف ازدهارا خاصا في التقليد الألماني، فلا ينبغي أن نفهم ذلك بمعنى قومي. الأمر يتعلق بفضاء فلسفي ولغوي أوسع، يمتد من كانط وهيغل إلى نيتشه وماركس وشوبنهاور وهوسرل، بل إلى النمساوي فيتغنشتاين، فيجعل من العودة إلى النص مناسبة للتفكير في المنهج والنسق وتاريخ المشروع الفلسفي.
ثقافة الطبعات المتعددة
قد تكون ثقافة "الطبعات المتعددة" المقترنة بجدال أكاديمي هي التي دفعت الألمان إلى ابتداع هذا الجنس. ففي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فرض التقليد الألماني على الفيلسوف أن يعيد نشر كتبه مرارا، وكل طبعة جديدة كانت تستدعي تمهيدا يصفي فيه حسابه مع النقاد ويعيد تموضع كتابه وتموضعه هو نفسه. فكأن التمهيد أساسا نمط مؤسسي يرتبط بالتدريس الجامعي والنشر، وهذا قبل أن يكون "جنسا" كتابيا.





