ليس من السهل تحديد "النص" عند بارت، لن نقول "مفهوم النص"، لأن النص عنده ليس مجرد مفهوم يعرف، إنما "مفعول" يختبر. ما يحدده أساسا هو قدرته على خلخلة التصنيفات المعهودة. على هذا النحو، فالنص دوما بدعة. لا تعني البدعة هنا مجرد مخالفة رأي شائع، وإنما الخروج عن الدوكسا (doxa)، أي عن الرأي العام الذي يبدو بدهيا طبيعيا غير قابل للنقاش. فالدوكسا هي المعنى حين يتحول إلى يقين اجتماعي، وحين نقول إن النص خروج عنها، فإننا نعني أنه قدرة على خلق المفارقات (Para-doxes). فهو لا ينتج حقيقة جديدة تحل محل الحقيقة القديمة، بل يربك نظام البداهة نفسه. فالنص لا يكون بدعة لأنه يقول شيئا مخالفا للدوكسا، بل لأنه يحول بينها وبين أن تستقر داخل اللغة.
من هنا يتضح ما يميزه: انفلاته من كل تأويل نهائي، وامتناعه عن الانغلاق. فإذا كان النص خروجا عن الدوكسا، فإن التأويل لا يأتي لكي يعيد حشره في نظام ثابت للمعنى. ولا نهائية التأويل هنا لا تعني أن النص غامض أو أنه يحمل معاني لا تستنفد، وإنما تعني أن بنية النص نفسها تحول دون امتلاك معنى نهائي. لذلك لا يكون القارئ إزاء النص أمام معنى ينتظر أن يكتشف، بل أمام نسيج من المعاني تتوالد كلما دخل النص في علاقة جديدة عبر القراءة.
بين النص والأثر
النص نسيج وشبكة، لذا هو لا يدخل ضمن تراتبات، ولا ينقسم أجناسا. فهو ليس جزءا من كتاب، ولا قسما من أثر (œuvre)، ولا بعضا من إنتاج. وهنا يكمن الفارق الجوهري بينه وبين الأثر الأدبي: فما يميز الأثر أنه قطعة من مادة تشغل حيزا في فضاء الكتب، أما النص فلا يتحدد بهذا الحيز المادي، ولا يختزل إلى الكتاب الذي يحمله، إنه يتعين فقط داخل عمل وإنتاج وممارسة. فالأثر الأدبي يشار إليه، أما النص فيبرهن عليه، الأثر تتناوله اليد، أما النص فتتناوله اللغة. والنص، مثل درب هايدغر، يتعين بالسير عليه، ويتحدد بالأقدام التي ترسمه، إنه يخط لا من أجل السير، بل بفعل السير ذاته.



