رحلة تشييع "المرشد"... منطق الثأر ورسائل الهيمنة

رحلة تشييع "المرشد"... منطق الثأر ورسائل الهيمنة

استمع إلى المقال دقيقة

النجف وكربلاء ليستا مجرد مدينتين عاديتين بالنسبة لأتباع المذهب الشيعي، ولا هما نتيجة لوقائع تاريخ مرتبة في نطاق الجغرافيا، ولا هما بوعي ملالي إيران فقط أراضٍ وعتبات مقدسة، تزار للبركة وإعلان اعتذار متكرر عن عدم نصرة الإمام الحسين وتركه وحيدًا في مواجهة جيش الأمويين سنة 61هـ/680م، ولا هما صلة الوصل بين "عراق العرب" و"عراج العجم"، بل ربما هما كل ذلك. وهما أكثر أشكال العلائق تعقيداً بين الهضبة الإيرانية وسهل بلاد الرافدين غرباً، حين كانت العلاقة حروب إمبراطوريات، وهما في البعد الديني المذهبي التاريخي أكثر من مجرد ساحة نفوذ للمذهب تحت شعار التبرك المرجعية بالحوزة أو بفضاء المراقد الروحي.

ففي الكوفة، قامت عام 65هـ/684م حركة التوابين بقيادة الصحابي سليمان بن صرد الخزاعي بدافع الشعور بالذنب العميق بسبب تقاعس أهلها عن نصرة الحسين بن علي. ما أدّى إلى مقتله في كربلاء، فرأت تلك الجماعة (التوابين) أن التكفير عن خذلانهم له، لا يكون إلّا بالثأر للإمام عبر القتال حتى الموت، وهذا القتال تحول إلى تطرف وإرهاب إيراني مفتوح على الجغرافيا السنية.

التاريخ هنا، ليس مجرد حركة في الماضي، لكنه في لحظة الوداع النهائية لجثمان "المرشد" علي خامنئي لإيران من أرض عتبات العراق، هو رسالة إيرانية آتية من زمن سحيق، مفادها أن الجهاد والدفاع عن نصرة أتباع الإمام هو موقف ثابت ولا يتغير، لكن أول ضحاياه هو العراق الذي يحاول رئيس وزرائه اليوم علي الزيدي إخراجه من فوضى التبعية والميليشيات الإيرانية لصالح الدولة الوطنية.

في مراسم التشييع، لم يعد مبدأ تصدير الثورة حاضراً في الدستور وحسب، بل إنه وإن بدا واضحاً في مراسم التشييع، فإن البعد الرمزي هو البحث عن قوة دفع لزخم ديني يجدد شرعية "المرشد" الابن في مخيال جمهوره. وهكذا أرادت إيران الخامنئية، أن تطمح بصلة نسب شريف لمرشدها المقتول عبر المرور في مزارات آل البيت، مما يعني تآكل التأييد الشعبي للثورة في لحظة الحرب التي أتت على الكثير من رصيد مقولة نصرة المظلومين وجهاد أميركا. وقد يكون وداعا وإذناً من المرشد حتى في موته لأتباعه القائمين على أرض العراق، بأن القبول بشكل الحضور الرمزي لإيران في العراق المستعاد من تلك الهيمنة هو الممكن فقط. وبأن خروج العراق من اليد، لا يعنى الخروج من المشاعر والماضي والطقوس وربما الخيبات والثأر.

إذن، لماذا لم يدفن علي خامنئي في النجف أو كربلاء، عوضاً عن نقله إلى مدينة مشهد في إيران؟ فتقليد دفن الشيعة أو نقل الرفاة لأرض النجف وكربلاء أمر معتاد عند الشيعة من باكستان والهند، وحتى جبل لبنان.

في مراسم التشييع، لم يعد مبدأ تصدير الثورة حاضراً في الدستور وحسب، بل إنه وإن بدا واضحاً في مراسم التشييع، فإن البعد الرمزي هو البحث عن قوة دفع لزخم ديني يجدد شرعية "المرشد" الابن في مخيال جمهوره 

في مشهد الاستقبال في العراق، حضر كل قيادات الصف الأول الإيراني، أو من تبقى منهم، دون "المرشد" الابن مجتبى خامنئي، وحضر قادة الفصائل الشيعية والأحزاب الشيعية العراقية، وفي مدينة مشهد حضر "المرشد" الابن بصورة مجسم كرتوني، في إشارة واضحة إما لعجزة عن الحضور وإما لمخاوف أمنيّة. 

على خلاف مراسم دفن الإمام الخميني عام 1989، الذي ووري الثرى في مقبرة بهشت الزهراء (جنة الزهراء) جنوب طهران، والذي اعتبرت جنازته الأكبر في العالم وحضرها 10-15 مليون إيراني، كانت جنازة علي خامنئي محاطة بالحذر والمخاطر وبعدد جماهيري أقل من سلفه الخميني، وفي النهاية حظي الخميني بضريح مستقل لقبره، ولم يحظَ خامنئي بمثله؛ والأخير دفن إلى جانب مرقد الإمام الرضا في مشهد، في محاولة استجرار التأييد وتكريس البعد الديني.

في العراق، صُلي على خامنئي مرتين: في النجف حيث ضريح الإمام علي بن أبي طالب، وفي كربلاء حيث مرقد الإمام الحسين الذي يعتقد أن رفاته جمعت ودفنت فيه، لكن المهم هنا ليس ماضي جغرافيا الأضرحة ولا قداستها، بل اختيارات إيران للحظات وداع "المرشد" لأرض العراق التي أُطلقت يد قاسم سليماني فيها من قبل علي خامنئي لتعيث بها خرابا وتذريراً.

والسؤال ما دامت أرض العراق تحمل بمزاراتها هذا الإجلال عند ملالي إيران، لماذا لم يدفن جثمان خامنئي في النجف أو كربلاء؟ من المعرف أن الحكومة العراقية لا تسمح بالدفن في الصحن الحيدري بالنجف، ولا في مرقد كربلاء، بل تسمح بمراسم جنائزية في العتبة العلوية، أو في كربلاء، والأمر لا يختص بمنطق الدفن بل برسائل الهيمنة في العراق والتي أرادت إيران إيصالها للعالم ولو بمنطق الثأر.

ختاماً، لم يخرج العراق بعد كاملاً معافى من هيمنة إيران، والحرب دائرة بكل ضراوة وشراسة بين إيران وأميركا من جهة، ويحتاج العراق لكي يكون أكثر استقلالاً للكثير من الجهد، أما في إيران فمشاهد التشييع مهما كانت محفوفة بمظاهر التقديس والتشييع لـ"مرشد" سمح لـ"الحرس الثوري" بالهيمنة على مفاصل الدولة، واستهلك كل قدراتها الاقتصادية، فإنها لن تدفع أسئلة الاستحقاق الداخلي الحرجة عن مرحلة ما بعد "المرشد" الأب وصراع الأجنحة والنخب السياسية، وهو صراع بات جلياً وظاهراً بكل وضوح ويتجاوز "المرشد" الإبن.     

font change