دائما هو الشعر

دائما هو الشعر

ماذا يفعل الشعر إزاء الواقع؟ سؤال قديم، ولكنه قادر على التجدد، أو بالأحرى قادر على إنتاج نفسه من حين إلى آخر. وغالبا ما يعاد طرحه بقوة كلما طرأت أحداث كبيرة أو أزمات أو حروب.

والكثيرون من المعنيين بشؤون الأدب، ومن غيرهم، يدأبون على الاعتقاد بأن الشعر، كغيره من أنواع الأدب، عليه أن يعبر عن الواقع، أو أن يعكس شيئا منه، أو أن يكون مرآة له، وكأن الواقع معطى ثابت ومفهوم، وما على الشعر إلا أن يتناول منه هذا الجانب أو ذاك، يتناوله أو يتفاعل معه، أو يستنطقه، أو يستوحي منه.

كثيرا ما يجري الكلام على غموض الشعر أو على طبيعته الغامضة. وكثيرا ما يشكو البعض، أو الكثيرون، من صعوبة الفهم، أو من عدم الفهم، لدى قراءتهم نصوصا معينة من الشعر. إذن الشعر غامض، أما الواقع، فهل هو واضح؟ وهل فهمه متاح أو يسير؟ أليس غامضا هو الآخر؟

إن المتكلمين على العلاقة بين الشعر والواقع، أو لنقل إن معظم هؤلاء، ينطلقون في كلامهم من افتراضهم أن الواقع هو في غاية الوضوح. يفترضون أن الواقع هو ما يراه الناس ويسمعونه ويلمسونه، وأنه لذلك متاح أو يسير للفهم. وكأن الواقع، بحسب هذا المفهوم أو الافتراض، معطى ينظر إليه الجميع نظرة واحدة، ويتساوون في فهمه. أليس في ذلك قدر كبير من التبسيط أو السطحية أو السذاجة؟

لنقف عند مثال ماثل أمامنا، هو الواقع الراهن في البلدان العربية. ماذا نقول عن هذا الواقع؟ أهو غامض أم واضح؟ طبعا هنالك من يمتلك رؤية شاملة إلى هذا الواقع، ويدعي فهما دقيقا لما يجري بتفاصيله كافة، ولكنه يجد في المقابل رؤى شاملة عديدة، تختلف عن رؤيته أو تغايرها أو تناقضها. ويجد أيضا في المقابل من يدعي فهما لما يجري أكثر دقة وتفصيلا من فهمه.

إذن، أين هو الواقع الذي ينبغي للشعر أن يعبر عنه أو أن يستوحي منه؟ لا يتعاطى الشاعر مع المعطى العام، أو ما يظن أنه عام، إلا من منطلق خاص، أو شخصي. وهو الذي، في اتجاه عكسي، يحول الخاص إلى عام، أو بالأحرى يحاول، في تصويره تجاربه الشخصية، أن يجعل الآخرين يرون ما يشبه تجاربهم أو يتقاطع معها. وليس للشاعر أن يكون أكثر من يفهم الواقع، أو أكثر من يتبصر في دقائقه وتفاصيله. ليس للشاعر أن يضطلع بمهمة السياسي أو المنظر الفكري أو المؤرخ أو العالم الأنثروبولوجي... فمن الطبيعي أن هؤلاء وأمثالهم من المعنيين أو المهتمين يتبصرون في الواقع ويحاولون فهمه أكثر من الشاعر. ولكن الشاعر قد يعطي من الإشارات التي يستوحيها من الواقع ما لا يستطيع القبض عليه السياسي أو المنظر أو المؤرخ أو العالم. هل نقول إذن إن الشاعر يترفع عن الواقع، وليس له أن يفهم ما يجري فيه على نحو تفصيلي؟

قد لا يوافق الكثيرون على استخدام كلمة "يترفع" هنا. إلا أن المقصود من استعمالها هو الإشارة إلى أن في طبيعة المهمة التي يضطلع بها الشاعر التحليق فوق الأحداث، لكي يلتقط منها ما ليس عابرا. هذا هو قدر الشاعر. الأحداث عابرة، وهو يريد أن يجد فيها ما يتجاوزها، أي ما ليس عابرا.

الترفع عن الأحداث لا يعني جهلا بها أو تجاهلا إزاءها، وإنما يعني نظرا إلى ما هو أبعد من الأحداث وأسمى منها. 


لنعد، على سبيل التوضيح، إلى المثال الذي أتينا على ذكره. ما يجري اليوم من أحداث في العالم. هل على الشاعر، عربيا كان أو غير عربي، أن يفهم الواقع؟ أن يفهم الإشكاليات المعقدة والمقولات المتناقضة التي تكتنف الأحداث الجارية؟ هل عليه أن يعرف الفروق بين ما يجري هنا أو هناك أو هنالك؟

إذن، الترفع عن الأحداث لا يعني جهلا بها أو تجاهلا إزاءها، وإنما يعني نظرا إلى ما هو أبعد من الأحداث وأسمى منها. فالشاعر العربي اليوم قد يعبر، إزاء ما يجري، عن قيم يتطلع إليها كل من يرغب لبلداننا النهوض والتطور والرقي. نبذ الانغلاق والتعصب، وكرامة الفرد في مجتمع يصون الحريات، وحرية المعتقد، وحرية التفكير، وحرية التعبير، وأنظمة ودول عصرية تستجيب لطموحات الأفراد والشعوب... أليست هذه كلها عناوين لمشاريع إبداعية يمكن للشاعر العربي أن يستلهمها في خضم الأحداث الجارية؟ أليس من العبث أو السذاجة أن نسأل بعد ذلك: من كتب عن ثورة هنا أو حرب هناك أو فتنة هنالك؟

إذن، أي واقع نتحدث عن علاقة بينه وبين الشعر؟ كل واقع هو غموض شاسع معقد، يراوغه الشعر ليبتكر غموضه الخاص، ليبتكر غموضه الأجمل. بكلمة ثانية، الواقع الأكثر صدقا هو ما نجده في الشعر. هو الأكثر صدقا من الواقع الذي نجده في خارج الشعر. فإزاء العالم وما يجري فيه، دائما هو الشعر يصنع الصورة الأكثر نقاوة وتأثيرا، وذلك دون سعي منه إلى الفهم أو الشرح أو التفسير. دائما هو الشعر، يفتح الأبواب الواسعة للفهم والتأويل والاستشراف، دون سعي منه إلى إنتاج المواد المعرفية، وقد ينتج المعرفة دون تعمد أو قصد، متفوقا في حالات كثيرة على العلم والفلسفة، أو على الأقل سابقا أو موحيا لهما. دائما هو الشعر، لا يكتفي إزاء العالم وما يجري فيه بالنقل أو الوصف أو التعبير أو التصوير أو التمثيل أو النقد أو التجميل أو ما يتفرع من كل ذلك، لا يكتفي بأن ينظر إلى الواقع أو يتفحصه أو ينبثق منه، وإنما هو دائما، بطبيعته التي يتفرد بها بين الفنون والعلوم، هو الذي يصنع الواقع الأكثر نقاوة وتأثرا وتأثيرا.

font change

مقالات ذات صلة