موضوع الشاعر... وموضوع القصيدة

موضوع الشاعر... وموضوع القصيدة

استمع إلى المقال دقيقة

قد يجوز لنا القول إن للشاعر المتميز موضوعه، وإن موضوع الشاعر هو البؤرة التي تنطلق منها مواضيع قصائده، أو بكلمة ثانية هو الهم الأساسي أو المحوري الذي تتفرع منه هموم كثيرة ومتعددة، بكثرة القصائد وتعددها. وقد يصح القول إن موضوع الشاعر هو المساحة التي تتقاطع فيها مواضيع قصائده، أي هو النقطة المشتركة أو العنصر المشترك بين هذه المواضيع.

إذن، نحن نفرق هنا بين موضوع الشاعر وموضوع القصيدة. ولنسارع إلى مثال يساعد في توضيح الفكرة. المتنبي تناول في قصائده مواضيع كثيرة، بعدد القصائد أو أكثر، إذ يمكن للقصيدة الواحدة أن تتسع لأكثر من موضوع واحد. وقد نظم قصائده في أغراض متعددة كالمديح والفخر والهجاء والغزل والوصف والحماسة وغير ذلك. والأغراض ليست بعدد المواضيع، بل هي أقل عددا، إذ يمكن للشاعر أن يتناول موضوعات عدة في غرض واحد.

فالقصائد التي مدح بها المتنبي سيف الدولة، على سبيل المثال، هي ذات غرض واحد وموضوعاتها متعددة. ولكن وراء تلك المواضيع والأغراض هم أساسي تنطوي عليه قصائد المتنبي كلها هو: موقف الشعور بالتفوق. إذ أراد التعبير عن ذاته المتميزة في كل ما نظمه من قصائد. هل نقول إذن إن موضوع الشاعر هو"الأنا" المتفوقة؟ وهل نقول إن هذا الموضوع هو أساس أو منطلق لموضوع القصيدة، بل لمواضيع القصائد كلها التي نظمها المتنبي؟ ألا يصح عند ذلك القول إن موضوع الشاعر ماثل في مواضيع قصائده كلها، أو إنه مشترك بينها؟

نعم، يمكن القول إن الشاعر المتميز هو صاحب موضوع. قد لا يكون مختصا به دون غيره، وإنما يختص عن غيره بطريقته المتميزة في تناوله لكي يصبح مرتبطا به فيعد موضوعه. فموضوع الحب مثلا لم يكن حكرا على عمر بن أبي ربيعة أو جميل بثينة أو حديثا نزار قباني، ولكن كلا من هؤلاء الشعراء (وهنالك غيرهم أيضا) قد تميز بطريقته في تناول هذا الموضوع، واستحق أن يعد معنيا به. كذلك أبو نواس في موضوع الخمرة. وكذلك أبو العتاهية في موضوع الموت. وكذلك أبو العلاء المعري في موضوعات العقل والشك والموت والبحث عن المعرفة.

هنالك موضوعات شائعة جدا، تناولها شعراء كثيرون، ولكن القصائد التي نجحت في تجديد الموضوع أو ابتكاره ابتكارا جديدا قد تكون معدودة. مثالنا على هذا قصيدتان لأبي تمام والبحتري في الكلام على الربيع، وهو موضوع قلما تجنبه شاعر من الشعراء. ففي القصيدتين المشار إليهما ربيعان مختلفان جدا. كأن كلا من الشاعرين قد اخترع ربيعه، لدرجة يجوز لنا فيها أن نتكلم عن ربيع لأبي تمام وربيع للبحتري.

الشاعر الذي يستحق أن يكون صاحب موضوع ليس مفروضا عليه أن يكون أسيره، بل هو غالبا ما يكون حرا وقادرا على تناول ما يحلو له من المواضيع


في شعرنا الحديث، شاعت مواضيع أو قضايا عامة تناولها الكثيرون. ولكن القليل منهم استحقوا أن يكونوا أصحاب هذا الموضوع أو ذاك. لنأخذ مثلا القضية الفلسطينية. كم من الشعراء العرب تناولوها على نحو أو آخر؟ ولكن من يمكننا عده شاعر القضية الفلسطينية؟ هناك محمود درويش، وهناك قليلون غيره، كل منهما هو شاعر هذه القضية بنسبة أو بأخرى. هنا، تجدر الإشارة إلى أن درويش حاول، في مجموعاته الشعرية التي أصدرها في السنوات القليلة التي سبقت وفاته، أن يخرج من الموضوع الفلسطيني إلى موضوعات أخرى. كأنه أراد أن يثبت لجمهوره عدم انحصاره في موضوع واحد. ولكن ما فعله في هذا السبيل لم يطبع تجربته بطابع يضاهي ذلك الطابع الأساسي المنبثق من القضية الفلسطينية.

مثال آخر يتعلق بالشاعر أدونيس. فهو في معظم ما كتبه، ينطلق من اهتمامه بدور الشاعر ورؤاه وقدرته على التغيير واجتراح الأفكار. ولا يقتصر الأمر لدى أدونيس على دور الشاعر في بيئة ضيقة أو في مجتمع معين، وإنما يتعدى ذلك إلى موقف الشاعر من العالم والحياة والموت والوجود بعامة. وإذا ما تناول في شعره العلاقة بالماضي (التراث) أو العلاقة بالحاضر أو العلاقة بالمستقبل (الغيب)، أو تناول العلاقة بين الشرق والغرب وما يتفرع منها من تفاعل أو صراع بين الحضارات، فإنه ينطلق في هذا كله من تركيزه على الشاعر ودوره. حتى ليمكننا القول إن موضوع أدونيس الأول، أو المفضل لديه، هو الشاعر نفسه. 

إذن، من المهم أن يكون الشاعر صاحب موضوع. ولكنه لا يكتسب أهميته من موضوعه، وإنما هو الذي يمنحه الأهمية إذ يعيد ابتكاره، أو بالأحرى يبتكر طريقته الخاصة في تناوله.

من الناحية الفنية، الموضوع ليس له سوى قيمة ثانوية. القيمة الفنية الأساسية هي في الكيفية التي يتجلى بها الموضوع، أي في طريقة الشاعر. فموضوع الحب مثلا لا يعطي قيمة فنية لكل من يتناوله، ولكن كل تناول جيد له يضفي عليه قيمة فنية جديدة. وشاعر الحب، إذ يكتب قصائد كثيرة في الحب، إنما يتناول فيها مواضيع مختلفة. فكأن موضوع الشاعر هو أصل ومواضيع القصائد فروعه. أو، بكلمة ثانية، كأن مواضيع القصائد تنويعات على موضوع الشاعر.

ولكن الشاعر الذي يستحق أن يكون صاحب موضوع ليس مفروضا عليه أن يكون أسيره، بل هو غالبا ما يكون حرا وقادرا على تناول ما يحلو له من المواضيع، وإن ظل في باله ما يشده دائما إلى همه الأساسي، الذي يمنح شعره نكهته الخاصة وشخصيته المميزة.

font change

مقالات ذات صلة