الدراسات الأدبية وعقدة المنهج

الدراسات الأدبية وعقدة المنهج

هل ندري نحن العرب كيف هي العلاقات التي تربطنا بغيرنا في هذا العالم، وخصوصا بالغرب وبالثقافة الغربية؟ وإذا كانت القوى العالمية التي تملك القدرة على التدخل أو التأثير في شؤون الغير، تفرض علينا أنواعا من التحكم في السياسة والاقتصاد، فماذا عن تحكمها أو تأثيرها في حقول الثقافة؟

منذ عقود ليست بالقليلة، أصيبت الدراسات الأدبية عندنا بعقدة المنهج. وهذه العقدة متعددة الوجوه. من وجوهها أولا أن المناهج الحديثة غربية، ويراد تطبيقها على نصوص أدبية عربية. ومن وجوهها ثانيا أن تطبيق منهج معين يقتضي معرفة عميقة به وبآلياته، ونادرا ما يتوفر هذا الأمر على نحو جيد عندما يكون المنهج وافدا من لغة إلى لغة. ومن وجوهها ثالثا أن التحقق من جدوى هذا المنهج أو ذاك ومن تناسبه مع النصوص التي يراد تطبيقه عليها ليس بالأمر الهين، خصوصا أن المناهج عديدة، ونجاح تطبيقها في لغة معينة لا يعني بالضرورة نجاحه في غيرها من اللغات.

وهكذا يتراءى لنا أن عقدة المنهج وتطبيقه في دراساتنا الأدبية متشعبة جدا، ولا تقتصر وجوهها على ما ذكرناه منها، بل تتعداه إلى ما هو أكثر، وبالأخص في ما يتعلق باختيار هذا المنهج لتطبيقه دون غيره، فيما الجدوى منه ومن تطبيقه ليست سوى قضية عالقة.

لماذا نحن مقصرون في هذا المجال؟ وإذا كان المنهج ضروريا للدراسة الأدبية، فلماذا لا نبتكر من المناهج ما يتناسب مع نصوصنا العربية؟ لماذا نأخذ بمناهج أجنبية من هنا أو هناك، فيما لا يكون عندنا من المناهج العربية ما يسعى إلى الأخذ بها أو الاستفادة منها دارسون أجانب في لغات مختلفة؟ وإذا كان في استطاعتنا أن نجد أسبابا لتقصيرنا في السياسة والاقتصاد وغيرهما، فهل يمكننا أن نجد أسبابا لتقصيرنا في مجال الدراسة الأدبية؟ أم إن التقصير ينبغي له أن يكون شاملا جميع المجالات؟

دراساتنا الأدبية هي اليوم في حالة من البلبلة أو التخبط. وربما كانت هذه الحالة ناتجة عن عقدة المنهج التي أشرنا إليها. فالكثير من هذه الدراسات يجعل من تطبيق المنهج هدفا أساسيا، بل وحيدا، له. وفي الغالب لا تترتب على هذا التطبيق نتائج قيمة، وإن كان على درجة مقبولة من الدقة، أو من الفهم المسبق للمنهج وآلياته.

الكثير من هذه الدراسات يجعل من تطبيق المنهج هدفا أساسيا، بل وحيدا، له. وفي الغالب لا تترتب على هذا التطبيق نتائج قيمة

إن الغرض الأساسي من أية دراسة أدبية أو أي تناول نقدي ينبغي أن يكون الوقوف على القيمة الفنية للعمل الأدبي، موضوع الدراسة أو التناول. بكلمة أخرى، ينبغي لذاك الغرض أن يكون استخراجا للخصائص الفنية التي يتميز بها العمل الأدبي المعني عن غيره من الأعمال. وإذا لم يتحقق هذا الغرض، فما الفائدة من تطبيق المنهج مهما يكن دقيقا؟ إن تطبيق المنهج ينبغي أن لا يكون هدفا في حد ذاته، وإنما ينبغي أن يكون عاملا مساعدا، أو وسيلة لتحقيق الأهداف التي أشرنا إليها، وفي رأسها التقويم الفني والحكم على العمل الأدبي إيجابا أو سلبا. فالمناهج لم توضع لكي تكون الدراسات الأدبية في خدمتها، أي لكي تكتفي بتطبيقها. وإنما وضعت لكي تكون هي في خدمة الدراسات الأدبية، أي لكي تساعدها في تحقيق أغراضها.

لقد وصل التخبط عندنا حدا جعل من تطبيق المناهج في معظم الدراسات الأدبية العربية عاملا معرقلا، بدلا من أن يكون عاملا مساعدا. وأكثر ما يعاني من هذا الأمر الدراسات الأكاديمية، أي الرسائل والأطروحات الجامعية. ففي كثير من الحالات، يغرق الدارس في مشكلات المنهج وآليات تطبيقه، متناسيا أو مستبعدا ما لديه من رهافة أو إحساس متميز بجماليات النصوص موضوع الدراسة.

لا ينبغي أن يقتصر البحث في الأدب على تطبيق منهج من المناهج. والمبالغة في تقدير المنهج من شأنها أن تؤدي في الغالب إلى طمس الأمور الجوهرية في ذاك البحث. وهذا ما يحدث في الكثير الكثير من الأبحاث التي تقدم في المؤسسات الجامعية. ومن المناهج التي شاع استخدامها ذلك المنهج الذي يسمى المنهج الموضوعاتي أو التيماتي (Thematique)، نظرا لما يتيحه لمستخدميه من سهولة أو استسهال. وربما هو المنهج الأكثر طمسا للعناصر الفنية في الأدب، أو بالأحرى لأدبية الأدب. كذلك بالنسبة إلى المناهج الأخرى المقتبسة عن الغربيين، كالمنهج البنيوي، والمنهج النفسي، والمنهج التفكيكي. فلكل من هذه المناهج مشاكله أو نواقصه، وبالأخص عندما يطبق على نصوص عربية.

قد نقع على دراسات لا تلتزم بأي منهج من المناهج، وتكون أكثر فائدة وعمقا ونفاذا من الدراسات التي تتبنى مناهج معينة.

نخلص إلى القول إن العمل الأدبي، بخصوصياته المتنوعة، هو الذي يستدعي منهجا من المناهج، لكي يكون مساعدا في الإضاءة عليه. وليس للمنهج أن يفرض نفسه على العمل الأدبي، وأن يكون تطبيقه هو الهدف من دراسة هذا العمل. وقد نقع على دراسات لا تلتزم بأي منهج من المناهج، وتكون أكثر فائدة وعمقا ونفاذا من الدراسات التي تتبنى مناهج معينة. وقد يكون من المفيد أحيانا أن يعمد الدارس إلى الاستفادة من أكثر من منهج في الدراسة الواحدة. فالبحث الأدبي في الخلاصة ليس مجرد تطبيق لمنهج. إنه أكبر وأسمى من ذلك بكثير. ومن شأنه أن يتحرر مما أمكنه من القيود، لكي يكون على قدر من الابتكار أو الإبداع.

font change

مقالات ذات صلة