كيف غدت العلاقة بين الفلسفة والعلم؟ بعد التقدم العلمي الهائل، الذي تحقق في خلال العقود الماضية، أي في فترة قصيرة جدا، بالقياس إلى تاريخ العلوم ونشوئها وتطورها. فبسبب من هذا التقدم، وخصوصا في الفيزياء وأبحاث الفضاء، أصبح لدى البشر تصور للكون لم يكن متاحا في السابق. ونشأت من هذا التصور نوعية من الأسئلة تختلف عما كان في العصور الماضية، وحتى القريبة منها. وهي الأسئلة المتعلقة بالوجود، ومعنى الوجود، وعلته وماهيته والغاية منه، والمصير الذي يجري إليه.
في الماضي، وبالأخص لدى اليونانيين، كانت الفلسفة هي العلم الذي يحتضن غيره من العلوم. كانت الفلسفة تستفيد من جميع العلوم المعروفة آنذاك وتعتمد عليها في عرض المقدمات واستقراء النتائج. ولما كانت الإمكانات والوسائل محدودة في تلك العلوم كالرياضيات والفلك والفيزياء وغيرها، فإن الجهد الفلسفي كان يذهب أبعد من غيره من الجهود العلمية في رسم الرؤى والتصورات المتعلقة بالطبيعة، وكذلك بما وراء الطبيعة.
وإذا كانت العلاقة بين الفلسفة اليونانية وغيرها من العلوم على النحو الذي أشرنا إليه، فإن الأمر ظل على هذا النحو بالنسبة إلى العلاقة بين الفلسفة الأوروبية الحديثة، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر خصوصا، وبين العلوم التي صارت معروفة في هذين القرنين. لقد عرفت الفلسفة في هذه المرحلة ازدهارا كبيرا، وخصوصا على أيدي الفلاسفة الألمان، الذين أعطوا، على اختلاف اتجاهاتهم، دفعة قوية للجهد الفلسفي، وفتحوا له آفاقا جديدة. وهكذا ظل الجهد الفلسفي متقدما على غيره من الجهود العلمية في رسم الرؤى والتصورات المتعلقة بالطبيعة، وكذلك بما وراء الطبيعة.
أما اليوم، وبعد القفزات الكبيرة التي حققها العلم الحديث في العقود السابقة، وخصوصا في الفيزياء وأبحاث الفضاء، فقد غدا التصور العلمي للكون متقدما على ما قدمته الفلسفة من تصورات. أكثر من ذلك، لقد بات لزاما على الفلسفة أن تلحق بركاب العلم، أو بالأحرى أن تواكب الإنجازات العلمية الحديثة، إذا أرادت أن تحافظ على أهميتها بين العلوم، وأن تظل لها مكانة إزاء العصر ومستجداته.
بات لزاما على الفلسفة أن تلحق بركاب العلم، أو بالأحرى أن تواكب الإنجازات العلمية الحديثة، إذا أرادت أن تحافظ على أهميتها بين العلوم
لم يعد في إمكان أي جهد فلسفي أن يتجاهل الصورة العلمية الجديدة للكون، فمن فيزياء نيوتن إلى نظريات أينشتاين وهايزنبرغ وهوكينغ حدث تطور هائل. لقد بلغت أبحاث الفضاء شأوا بعيدا جدا، وبات في استطاعة التلميذ في مراحل التعليم الابتدائية أن يرى الكون بمجراته التي لا تحصى، وأن يرى الأرض وكأنها في متناول يده، نظرا لضآلتها التي تجعلها كوكبا لا يكاد يلحظ في الكون الشاسع.
إلا أن الفلسفة ينبغي ألا تقع في المأزق، إزاء التقدم العلمي الحاصل والمستمر. بل على العكس من ذلك، ينبغي للفلسفة أن تستفيد من التقدم العلمي لكي تجدد نفسها، لكي تصبح قادرة على ابتكار الأسئلة الجديدة، انطلاقا من وسائل وإمكانات جديدة، وسعيا إلى استنتاجات واكتشافات جديدة.
تستطيع الفيزياء الحديثة الإجابة عن أسئلة تبدأ بكيف. مثلا: كيف تجري الأمور أو الحركات في هذا الكون؟ كيف تدور الكواكب؟ كيف تتطور المجرات أو الأشياء أو المواد؟ ولكن لا تستطيع الإجابة عن بعض الأسئلة التي تبدأ بلماذا. مثلا: لماذا الوجود أو الكون؟ لماذا هو محكوم بالقوانين الفيزيائية التي نعرفها وليس بغيرها؟ لماذا الحياة أو لماذا العقل؟ كل ذلك يقوله عالم الفيزياء البريطاني ستيفن هوكينغ في مؤلفاته العديدة، التي تتحدث عن تاريخ الكون والانفجار العظيم والثقوب السود وغير ذلك. وكأن الفيزيائيين يعبرون اليوم، بطرق مباشرة أو غير مباشرة، عن هموم الفلاسفة، ويطرحون عليهم من المهمات ما يتجدد في استمرار.
ربما يصح القول إن الفلسفة، في مراحل غابرة، كانت تسبق العلوم التجريبية، وعلى رأسها الفيزياء. أما اليوم، فهذه العلوم هي التي تسبق الفلسفة. ولكن، في الحالتين تظل الفلسفة في حاجة إلى العلم، تستفيد من تقدمه وإنجازاته، لكي تتقدم بدورها وتحقق الإنجازات.
يتقدم العلم، فيتحدى الفلسفة، يستفزها. وهذا يكون لصالحها، عندما تقبل التحدي، وتستفيد من الإنجازات العلمية. ووضعية الفلسفة في هذا كله شبيهة إلى حد كبير بوضعية الأدب. وإن كان الأدب يختلف عن العلم والفلسفة في أنه لا يبحث عن الحقائق، فغايته ليست كغاية العلم أو غاية الفلسفة. ولكنه مع ذلك يمكنه أن يثبت من الحقائق، على نحو تلقائي، ما يجعله في كثير من الأحيان سابقا للفلسفة والعلم. وهذا من شأنه أن يطرح قضية "الحقيقة" بمختلف مفاهيمها، أو بالأحرى بمختلف الأسئلة المتعلقة بوجودها أو بعدمه.
السباق هنا أو هناك لا يعني تباعدا أو تنافرا، وإنما يعني تضافرا وتنافسا في السعي لتحقيق الغايات على اختلافها في الأدب والفلسفة والعلم
انطلاقا من هذا الكلام، ألا يمكننا الكلام على "حقيقة أدبية" و"حقيقة علمية" و"حقيقة فلسفية"؟ هنالك اختلافات واضحة بين هذه الحقائق الثلاث تتجلى في اختلافات واضحة بين اللغة في الأدب واللغة في العلم واللغة في الفلسفة. ولكن السباق بين الأدب من جهة والعلم والفلسفة من جهة ثانية ليس واضحا كالسباق بين العلم و الفلسفة. والسباق هنا أو هناك لا يعني تباعدا أو تنافرا، وإنما يعني تضافرا وتنافسا في السعي لتحقيق الغايات على اختلافها في الأدب والفلسفة والعلم.