تغيير المشرق العربي

بالحرب والاقتصاد وشبكات الطرق

تغيير المشرق العربي

استمع إلى المقال دقيقة

تفيد الأحداث، والتطورات الجارية في المنطقة بأن مبنى دول المشرق العربي، التي تشمل بلاد الشام والعراق، لن يبقى على حاله، على الأغلب، وإنما هو مقبل على تغيير كبير، هو الخامس من نوعه، بعد نيل تلك الدول استقلالها، في أربعينات القرن الماضي، ثم بعد إقامة إسرائيل (1948)، وبعد حرب يونيو/حزيران (1967)، وصولا إلى الغزو الأميركي للعراق (2003)، واحتلاله، وتاليا تفويض إيران فيه، وتكريس هيمنتها عليه، عبر الأذرع الميليشياوية التابعة لها.

القصد أن المشرق العربي القديم انتهى، أو أوشك على الانتهاء، ربما، بفعل التغييرات الحاصلة فيه، في هذه المرحلة، بدفع من التداعيات الناجمة عن عملية "طوفان الأقصى" (أواخر 2023)، وضمنها الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، لإنهاء نفوذها في تلك المنطقة، وأيضا بدفع من صعود مكانة تركيا، كفاعل إقليمي حيوي.

ومعلوم أن تلك التطورات أدت، حتى الآن، إلى إعادة تموضع سوريا، كفاعل مهم، في المشرق العربي، بعد انهيار نظام الأسد (أواخر 2024)، وانحسار نفوذ إيران في العراق ولبنان، وبروز دور الدول العربية، بخاصة مصر والعربية السعودية، في المشاركة في رسم الترتيبات الجارية في المنطقة.

وكما بتنا نشهد فإن محاولة هندسة الشرق الأوسط، وفي قلبه بلدان المشرق العربي، تسير هذه المرة على إيقاع سياسي وعسكري واقتصادي، في آن معا، تأتي ضمنها حركة الجيوش والأساطيل البحرية والجوية، وترسيم طرق المواصلات البرية والبحرية، وضمنها السكك الحديدية، مع أنابيب تضمن انتظام تدفق النفط والغاز من المنابع إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية، وتكفل أمن سلاسل التوريد، وهو الدور الذي تضطلع فيه سوريا بالدور الأبرز، كعقدة وصل مع لبنان والعراق والأردن وتركيا والبحر المتوسط.

في الغضون تجدر ملاحظة أن تطورات من هذا النوع تكاد تأخذ، أو تحجّم، إسرائيل في طريقها، فتلك هي المرة الثانية التي تكتّف فيها إدارة أميركية يد إسرائيل، وتمنعها من الحراك، بل وترى فيها عبئا سياسيا وأمنيا وماليا وأخلاقيا على سياساتها، على ما يظهر من تصريحات الرئيس ترمب، الذي أبدى، علنا، تبرّمه من مواقف بنيامين نتنياهو، الناقدة لسياساته في شأن إدارة الحرب ضد إيران، والمتعارضة مع سياساته إزاء سوريا ولبنان، سيما مطالبته إياه بسحب الجيش الإسرائيلي من أراضي هذين البلدين. وكان الرئيس الأميركي قد لخص موقفه إزاء سياسات حكومة نتنياهو بأن إسرائيل لا يمكنها أن تحارب العالم.

يبدو أن فكرة "إنقاذ إسرائيل رغم أنفها"، هي التي تقف وراء النقد الأميركي لإسرائيل، بيد أن إنقاذها هذه المرة، لا يعني فقط كبح عدوانيتها، وإنما تخليصها أيضا من المتطرفين نتنياهو وسموتريتش وبن غفير

هذا الموقف الناقم على إسرائيل شمل معظم أركان الإدارة الأميركية، ولا سيما نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي يرى أن إسرائيل لا تسهل على السياسة الأميركية، وأنها تريد خوض الحرب لأجل الحرب، وأنها في تلك السياسات خسرت الصراع على الرأي العام في الولايات المتحدة. وهو ما تبلور مؤخرا في مجلس النواب الأميركي إزاء مشروع تقدم به نائب جمهوري يطالب بوقف المساعدات الأميركية لإسرائيل، أيده في ذلك أكثر من مئة نائب من الحزب الديمقراطي، في سابقة فريدة من نوعها في السياسة الأميركية.

وتفيد كثير من المؤشرات الصادرة عن الإدارة الأميركية، وبخاصة عن مبعوثها في المنطقة توم باراك (السفير الأميركي في أنقرة أيضا)، بأن الميل يتعلق بترتيبات إقليمية، سياسية وأمنية واقتصادية، تتأسّس على منظومة من العلاقات والمؤسسات والشراكات، بين دول سوريا والعراق ولبنان والأردن، بالربط مع الخليج العربي، وتركيا، مع إمكان تضمين تخريجة للوضع الفلسطيني، مستقبلا، وهذا ما يترجم بالحديث عن فتح خطوط طرق برية وبحرية بين دول الخليج والأردن وسوريا والعراق ولبنان وتاليا إلى تركيا وصولا إلى أوروبا.

معنى ذلك أن التصورات الأميركية باتت تتجاوز إسرائيل، في هذه المرحلة، وأن تركيا باتت تحتل مكانة متقدمة في الاستراتيجية الأميركية إزاء منطقة الشرق الأوسط، إلى جانب الدول العربية الخليجية، ولا سيما العربية السعودية، على حساب إسرائيل؛ وهذا هو معنى الرباعية المتمثلة في السعودية ومصر وتركيا وباكستان.

في الغضون، يبدو أن فكرة "إنقاذ إسرائيل رغم أنفها"، هي التي تقف وراء النقد الأميركي لإسرائيل، بيد أن إنقاذها هذه المرة، لا يعني فقط ترشيد سياساتها الخارجية، وكبح عدوانيتها، وإنما تخليصها، أيضا، من المتطرفين نتنياهو وسموتريتش وبن غفير، فضلا عن إنقاذ صورتها في الولايات المتحدة وفي الغرب، وربما أن الانتخابات الإسرائيلية القادمة ستختبر هذا التوجه، بمعنى أن قرار الحسم فيها سيتوقف على موقف الإدارة الأميركية من نتنياهو، وتاليا على مدى تجاوبه مع مطالب الإدارة الأميركية، من عدم ذلك.

لعل مشاهد لقاءات الرئيس الأميركي ترمب مع الرئيس التركي إبان اجتماع أطراف حلف "الناتو" مؤخرا، ينم عن دلالات كبيرة، سيما لجهة التأكيد على صفقة الطائرات الحربية من دون الالتفات للمواقف الإسرائيلية

بكل الأحوال، فإن ما تقدم لا يعني أن الولايات المتحدة قاربت على الاستغناء عن إسرائيل، أو التخلي عنها، أو التوقف عن دعمها، وعن ضمان أمنها، وإنما هو يعني أن الولايات المتحدة، بنتيجة كل ما جرى، أخذت الأمر بيدها، سيما بعد انهيار الإطار الإقليمي السابق، وضمنه إعادة إيران خلف حدودها، وانهيار الدول العربية الراديكالية، وباتت أكثر تحررا إزاء المتطلبات الإسرائيلية، كما باتت أقل حاجة لإسرائيل.

ولعل مشاهد لقاءات الرئيس الأميركي ترمب مع الرئيس التركي إبان اجتماع أطراف حلف "الناتو" مؤخرا، ينم عن دلالات كبيرة، سيما لجهة التأكيد على صفقة الطائرات الحربية من دون الالتفات للمواقف الإسرائيلية، ويأتي ضمن ذلك الحفاوة التي تمت فيها لقاءاته مع الرئيس السوري في أنقرة، والرئيسين العراقي واللبناني في واشنطن.

بقي التذكير بأن الإطار الحالي لمحاولة التغيير في الشرق الأوسط، يختلف عنه في مطلع التسعينات، إبان طرح مشروع "الشرق الأوسط الجديد"، إسرائيليا وأميركيا، الذي كان يتركز على التعاون الاقتصادي بين دول المنطقة، وإقامة دولة فلسطينية، كما يختلف عنه إبان طرح إدارة بوش (الابن) مشروعها بشأن "الشرق الأوسط الكبير" (2002)، الذي كان يتضمن إدخال إصلاحات على الأنظمة العربية و"نشر الديمقراطية"، وذلك بحكم التغيرات الهائلة الحاصلة في سوريا والعراق ولبنان، وبالنظر لانحسار نفوذ إيران في مجمل دول المشرق العربي، وتراجع مكانة إسرائيل في الاستراتيجية الأميركية، ما يعني أن مساعي الهندسة الجديدة للمنطقة ربما تمتلك، هذه المرة، حظا أفضل من سابقاتها.

font change