ليس القصد من هذا العنوان إشاعة نوع من التشاؤم أو التفاؤل، وإنما الكشف بصراحة ومسؤولية، عن حقيقة الواقع الفلسطيني الصعب، الذي لا يمكن لمجرد عملية انتخابية معزولة ومهندسة، انتشاله من الهاوية، ولا التغطية على تصدعاته، بدعوى تجديد الشرعية، أو استعادة "الوحدة الوطنية" (الفصائلية)، أو تحصين مكانة السلطة، أو المنظمة، بخاصة أن ذلك الاستحقاق تم تأخيره أو التهرّب منه ثلاث دورات، إذ مضى عقدان على الانتخابات التشريعية السابقة (2006)، وأن العملية الانتخابية القادمة (إن تمت) تأتي في ظروف فلسطينية أكثر صعوبة وتعقيدا من أية فترة سابقة.
اللافت أن "الانتخابات" باتت بمثابة اللعبة الوحيدة في الساحة الفلسطينية اليوم، بالنسبة للطبقة السياسية السائدة في المنظمة والسلطة والفصائل، ولا سيما للفصائل التي لا شغل لها، لسبب مفاده أن تلك الطبقة بكل كياناتها، لم يعد لديها ما تضيفه، لا في صدّ أخطار السياسات الإسرائيلية، ولا بالنسبة لإدارة أوضاع شعبها، في الداخل والخارج، وخاصة مع إخفاق أو انسداد خياراتها السياسية والكفاحية.
على أية حال فإن الانتخابات، المزمع إجراؤها أواخر الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، تأتي في وضع بات فيه فلسطينيو غزة في نكبة، أقسى وأصعب وأمرّ من سابقاتها، في حين بات فلسطينيو الضفة وضمنها القدس في معازل متفرقة، وفي ظل الهيمنة الإسرائيلية، التي لم تعد تتوقف على الجيش، إذ بات ذلك يشمل ميليشيات المستوطنين المتطرفين، بحيث إن الوضع لم يعد يقتصر على إزاحة سلطة "حماس" في غزة، وإنما بات يطاول تحجيم سلطة "فتح" في الضفة، أو تحويلها إلى سلطة شكلية على شعبها، بدون مقومات سيادية، على الأرض والموارد والتجارة والإدارة والمعابر.
أيضا، وضع الفلسطينيين في بلدان اللجوء ليس أفضل حالا، إذ بات أكثر من نصف اللاجئين الفلسطينيين في سوريا ولبنان في حالة لجوء ثان، لا سيما في الدول الغربية، ناهيك عن انحسار، أو انقطاع، صلة هؤلاء بمنظمة التحرير الفلسطينية، بعد أن تحول مركز ثقل العمل الفلسطيني إلى الداخل، عبر السلطة، على حساب المنظمة.
المشكلة هنا بالنسبة للاجئين في بلدان اللجوء والشتات، أن القيادة الفلسطينية لا تنوي إجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني، على الرغم من أن الأوضاع في معظم تلك البلدان العربية والأجنبية، لا تحول دون ذلك، وما يفاقم تلك المشكلة أن القيادة الفلسطينية لم تشتغل على إقامة توسطات أو إطارات، تنظّم الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم، ولم تستثمر فيهم سياسيا؛ في خضم انشغالها بترسيخ مكانتها كسلطة في الداخل.
والحال، فإن أول ما يجرد العملية الانتخابية من طابعها الديمقراطي والتمثيلي، هو سعي القيادة الفلسطينية إلى تمثيل فلسطينيي بلدان اللجوء والشتات، في "المجلس الوطني"، بالتعيين، كأنها تنتخب ناخبيها، بما يمكنها، عبر تشكيلها "المجلس الوطني"، السيطرة على نتائج الانتخابات لـ"المجلس التشريعي" في الداخل، مع الأخذ بالاعتبار الهندسة الانتخابية، التي تتيح للقيادة التحكّم، بقدر معين، بنتائج انتخابات الفلسطينيين لذلك المجلس في الداخل، أيضا.
ما يفترض لفت الانتباه إليه، أن الانتخابات في الوضع الفلسطيني الخاص ليست غاية في ذاتها، وإنما أهميتها تنبع من كونها شكلا من أشكال الكينونية السياسية في مواجهة الاحتلال
ما يفترض لفت الانتباه إليه، أن الانتخابات في الوضع الفلسطيني الخاص ليست غاية في ذاتها، وإنما أهميتها تنبع من كونها شكلا من أشكال الكينونية السياسية في مواجهة الاحتلال، ووسيلة لتعيين التوازنات والتمثيلات السياسية في المجتمع، وآلية لحسم الخلافات بطريقة الحوار، بدلا من القسر والعنف، والغلبة، كما إنها وسيلة لتمكين كل فرد في المجتمع من المشاركة بالسياسة، والإسهام بتقرير الخيارات السياسية والكفاحية والاقتصادية، ومن هنا تنبع أهميتها.
بيد إن الانتخابات لوحدها ليست دلالة على الديمقراطية، فهذه تستلزم مع الانتخابات، إقرار حقوق المواطنة المتساوية، وضمنها حرية الرأي، والفصل بين السلطات، والتداول على السلطة، والمشكلة أن كل تلك الركائز مصادرة في واقع يخضع للاحتلال، وتهيمن فيه الفصائل على الحقل السياسي للفلسطينيين، ما ينتج عنه تهميش الأطر التشريعية، وتغييب القيادة الجماعية، وهو واقع يجمع الرئيس الفلسطيني فيه، بشخصه، كل السلطات؛ علما إنه كان من أبرز منتقدي ذلك في مرحلة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
الوظيفة الأساسية للانتخابات الفلسطينية حاليا، وضرورتها، هي إضفاء شرعية على السلطة الفلسطينية، وعلى الطبقة السياسية المسيطرة
على ذلك فإن الوظيفة الأساسية للانتخابات الفلسطينية، حاليا، وضرورتها، هي إضفاء شرعية على السلطة الفلسطينية، وعلى الطبقة السياسية المسيطرة، فقط، على الرغم من أن النظام السياسي الفلسطيني، بمجمل كياناته السياسية، بات متقادما، ومستهلكا، وفاقدا للمبادرة، ولمضمونه، كنظام لحركة تحرر وطني، تقود كفاح شعبها ضد الاحتلال. وباختصار، ومع انتخابات، أو من دونها، فإن تغيرات الواقع، وتأثيرات الزمن، السياسي والاجتماعي، وضمنه التحولات عند الشعب الفلسطيني، باتت تحول دون القدرة على تطوير، أو إصلاح الحركة الوطنية الفلسطينية، ببنيتها وعلاقاتها وأشكال عملها وأحوالها الراهنة، إذ كان ذلك ربما يكون مجديا قبل 40 عاما، أي بعد الخروج من لبنان (1982)، في فسحة تونس (1982- 1993)، أو ربما بعد قيام السلطة، إثر الانتفاضة الأولى، قبل 30 سنة، أو أقله بعد الانتفاضة الثانية 2005، قبل 20 عاما.
وبصراحة، فإن الحركة الوطنية الفلسطينية، التي انطلقت منذ ستة عقود، باتت في حال من الشيخوخة، وافتقاد المكانة والدور، لذا لا يمكن أن ينتشلها من شيخوختها، أو أزمتها، أو إخفاقاتها، لا انتخابات، ولا دعوات إصلاح، شكلية، أو شخصية، لأن ذلك بات يتطلب إعادة بناء على قواعد جديدة، بالاستفادة من التجربة السابقة، وليس بإعادة إنتاجها. والقصد أن الفلسطينيين اليوم، مع حركتهم الوطنية، في وضع صعب، يشبه وضعهم بعد نكبة 48، أي في مرحلة فراغ أو ضياع، سيما أن القديم لا يريد أن يذهب، وأن الجديد لا يستطيع أن يأتي.
هذا يتطلب من الفلسطينيين الحسم في الإقدام على مراجعة نقدية، جريئة ومسؤولة وشاملة، للتجربة الماضية، بخياراتها السياسية والكفاحية، وأشكال عملها، وبناها وخطاباتها، وصولا إلى القطع معها، مع الاستفادة منها، وإدراك التغيرات في أحوالهم، وفي المعطيات الدولية والعربية، على قاعدة التركيز اليوم على إيجاد السبل التي تمكنهم من الصمود في أرضهم، وإعادة بناء بيتهم الوطني، قبل أي شيء آخر، وقبل أي شعار، أو ادعاء آخر؛ لذا لا يفترض جعل الانتخابات ملهاة أخرى، في واقع النكبة الفلسطينية الجديدة، القاسية والمهولة.