الـخطأ الأدبي

الـخطأ الأدبي

استمع إلى المقال دقيقة

كان يمكن أن يبدو سؤالا بسيطا: من هم أهم أدباء هذا الجيل؟ لكن الإجابة عنه تكاد تكون مستحيلة، لأن المعاصرة– كما هو معروف– تصنع نوعا من التشويش يجعل الحكم النقدي أقل يقينا مما نظن. مع ذلك يعتقد كل جيل أنه يعرف كتابه الكبار. فهم الذين تتكرر أسماؤهم في الندوات، وتتصدر صورهم صفحات المجلات الثقافية، وتحظى كتبهم بالترجمة والجوائز والاحتفاء. فيبدو أن خريطة الأدب اكتملت، وأن التاريخ أصدر أحكامه النهائية. غير أن مراجعة سريعة لأي حقبة أدبية تكشف مفارقة لافتة. فعدد غير قليل ممن كانوا نجوم عصرهم لم يبق منهم سوى هوامش في كتب التاريخ، بينما صعدت أسماء أخرى لم تكن تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام.

لا يتعلق الأمر بخطأ ارتكبه ناقد بعينه، ولا بانحياز مؤسسة ثقافية، فالخلل أعمق، ويكاد يكون قانونا يصاحب كل عصر. فحين يكون الكاتب معاصرا لنا، نضطر دون إرادة واعية إلى أن نقرأ مع نصه الإبداعي حضوره الاجتماعي، وصداقاته، وخصوماته، وصوره، ومشاركاته في المهرجانات، والجوائز التي نالها، والمقابلات التي أجراها، والجدل الذي يحيط باسمه. كل هذه العناصر تمتزج بالنص حتى يصبح من الصعب الفصل بين القيمة الأدبية والقيمة الاجتماعية.

الثابت أن التاريخ الأدبي لا يواجه هذه المشكلة. فهو لا يعرف حفلات التوقيع، ولا الضجيج الإعلامي، ولا عدد المتابعين، ولا خوارزميات المنصات الرقمية. فالتاريخ يواجه النص مجردا من معظم الظروف التي صنعت شهرته الأولى. لذلك تبدو أحكامه، مهما تأخرت، أكثر برودة، وأكثر عدلا. فبعد أن تخفت الأصوات كلها، لا يبقى أمام العمل سوى قدرته على مواصلة الحياة داخل القراءة نفسها.

يمكن تسمية هذه الحالة بـ"الخطأ" الأدبي، على سبيل الاستعارة من لغة الحاسوب. وهو ليس خطأ في الأدب، ولا في الأدباء، ولكن في آلية التلقي التي نمارسها ونحن داخل زمننا. إنه الخطأ الذي يجعلنا نخلط بين الكاتب ونصه، وبين المكانة الثقافية والقيمة الجمالية، وبين الحضور في المجتمع الأدبي والحضور في الأدب ذاته. وكلما ازدادت كثافة الحياة الثقافية، واتسعت شبكات العلاقات، وتداخلت الأدوار بين الكاتب والإعلامي والناقد وصانع المحتوى، أصبح هذا الخطأ أكثر رسوخا وأشد خفاء.

النص لم يعد يدخل إلى ذهن القارئ خاليا من الأحكام المسبقة، وإنما يصل محمولا على شبكة كاملة من الانطباعات والصور والتوقعات

ولعل السؤال الذي يستحق أن يطرح اليوم ليس: من هو أهم كاتب معاصر؟ وإنما: كيف نحكم أصلا على أهمية كاتب ما، بينما ما زلنا نعيش داخل الضباب الذي تصنعه المعاصرة؟ وهل أصبح اهتمامنا بمجتمع الأدب يفوق اهتمامنا بالأدب نفسه، حتى صرنا نقرأ الحركة الثقافية أكثر مما نقرأ النصوص التي قامت من أجلها؟

في العقود الماضية كان الطريق إلى الكاتب يمر عبر منتجه الكتابي. قد يعرف القارئ شيئا يسيرا عن سيرته، أو يسمع حكاية عابرة عنه، لكن النص كان هو المجال الذي تتكون فيه العلاقة الحقيقية بين المؤلف وجمهوره. أما اليوم، فتبدلت المعادلة على نحو لافت، إذ أصبح الوصول إلى الكاتب يسبق الوصول إلى الكتاب. يعرف القارئ شكل مكتبه، وصور رحلاته، ومواقفه اليومية، قبل أن يقرأ نتاجه الأدبي الذي من المفترض أن يعرف من خلاله.

هذا التحول غير طريقة استقبال الأدب. فالنص لم يعد يدخل إلى ذهن القارئ خاليا من الأحكام المسبقة، وإنما يصل محمولا على شبكة كاملة من الانطباعات والصور والتوقعات. وما إن يفتح القارئ الديوان أو الرواية أو المجموعة القصصية حتى يكون قد كون، من حيث لا يشعر، تصورا عن قيمتها استنادا إلى مكانة صاحبها أكثر مما استند إلى بنيتها الفنية.

ولذلك، فإن كثيرا من النقاشات التي تبدو، في ظاهرها، نقاشات أدبية، ليست في حقيقتها كذلك. إنها تدور حول الوسط الثقافي أكثر مما تدور حول الأدب. وهكذا يتسلل الخطأ الأدبي بصمت. فالعقل البشري يميل بطبيعته إلى استخدام المؤشرات الخارجية عندما يصعب عليه إصدار حكم مباشر. وإذا كان تقييم عمل أدبي يحتاج إلى كفاية نقدية، وإلى خبرة جمالية، وإلى قدرة على المقارنة، والاطلاع العابر للزمن، فإن معرفة أن الكاتب حاز جائزة مرموقة، أو أن اسمه يتكرر في الصحف، أو أن كبار النقاد يكتبون عنه، تمنح القارئ اختصارا مريحا. يجعل من الشهرة دليلا على الجودة، مع أن العلاقة بينهما ليست حتمية، ولا مستقرة عبر التاريخ.

ولا يقتصر هذا الخلل على القراء وحدهم. فالوسط الثقافي قد يقع في الفخ ذاته. إذ يصبح الكاتب شخصية عامة تقرأ باعتبارها حدثا ثقافيا مستمرا، بينما تتراجع أعماله إلى المرتبة الثانية. وليس المقصود من ذلك التقليل من أهمية الحياة الثقافية. فالأدب لا يعيش في فراغ، والكتاب جزء من مجتمع الثقافة، والمؤسسات والجوائز والترجمة تؤدي أدوارا لا غنى عنها في صناعة المشهد الأدبي. غير أن المشكلة تبدأ حين تتبدل العلاقة بين الأصل والفرع، حين يصبح النص تابعا للمشهد، بعد أن كان المشهد قائما عليه ومن أجله.

هذا النوع من الانتباه هو الذي يرسم الحدود الفاصلة بين الشهرة الثقافية والقيمة الأدبية

ومن هنا يمكن القول إن المعاصرة تضعنا أمام طبقات متراكبة من الإشارات الاجتماعية التي تحيط به. وكلما ازدادت هذه الطبقات كثافة، أصبح الوصول إلى النص أصعب. وما يبدو حكما نقديا خالصا قد يكون، في جانب منه، استجابة غير واعية لسلطة الاسم، أو لهيبة المؤسسة، أو للضجيج الذي يسبق العمل ويحيط به.

ولهذا من المهم أن يكون انتباه النقد موجها إلى النصوص التي تستطيع أن تعيش إذا انطفأ المشهد كله، فهذا النوع من الانتباه هو الذي يرسم الحدود الفاصلة بين الشهرة الثقافية والقيمة الأدبية، وبين مجتمع الثقافة، والأدب الذي يستطيع أن يسافر عبر الزمن.

font change