عن خط النهاية الذي يصعب الوصول إليه في السباق الطويل بين الكتاب

ثنائيات أدبية اشتهرت بـ"التنافس"

Jonathan NACKSTRAND / AFP
Jonathan NACKSTRAND / AFP
زائر أمام تمثال ألفرد نوبل قبيل حفل توزيع جوائز نوبل في ستوكهولم، 2019

عن خط النهاية الذي يصعب الوصول إليه في السباق الطويل بين الكتاب

يمكن اعتبار فكرة السباق الأدبي وارتياد مناطق فنية وتعبيرية بكر أحد محركات الإبداع، فكبار الأدباء يتبارون فعليا للوصول إلى مناطق لم تكشف بعد. غير أن هذه الفكرة تظل معقدة بعض الشيء، إذ تثير في طريقها تساؤلات حول طبيعة التنافس. ففي اللحظة التي يظهر فيها على بعض الأدباء اللهاث المحموم، يظل بعضهم الآخر مستسلما لفرضية الركون إلى العزلة، والاستناد إلى الموهبة الفردية المكتفية بذاتها، دون اعتبار للسياق العام والأوسع الذي يتشكل فيه التراكم الإبداعي، حيث يتجاور الجميع داخل فضاء واحد من التأثير والتلقي.

يمكن النظر إلى التنافس باعتباره توترا بنيويا في قلب العملية الإبداعية، وهو توتر يتجلى بوضوح في الخلافات الكبرى بين الأدباء في مختلف العصور. مثل ذلك الخلاف الشهير بين إرنست همنغواي وويليام فوكنر، الذي يقرأه كثير من المتابعين من زاوية التسابق على إثبات الطريقة المثلn للكتابة السردية، وعلى تعريف جوهر الكتابة نفسها. فهمنغواي كان يراهن على التكثيف والاقتصاد، ويكتب كأن كل كلمة زائدة خيانة للمعنى، في حين كان فوكنر يمضي في اتجاه معاكس، غارقا في التعقيد والتشعب، وكأن اللغة لا تفي بوظيفتها إلا حين تبلغ حدها الأقصى، إلى درجة أن اسمه ارتبط بأطول جملة سردية. قال فوكنر في أحد لقاءاته، ساخرا ومعرضا باسم منافسه: "همنغواي لم يعرف عنه كتابة كلمة تجعل القارئ يراجع القاموس"، فجاء رد همنغواي حاسما: "هل يظن فوكنر أن المشاعر العظيمة تأتي من الكلمات العظيمة؟".

حلبة مفتوحة

هذا التوتر، الذي يصعب فهمه خارج فكرة السباق على ناصية السرد، يجعل الأدب أشبه بالحلبة المفتوحة. غير أن المفارقة تكمن في أن هذا السباق لا ينتهي إلى حسم واضح، ويمكن أن يتسع لأكثر من منتصر. فقد بلغ الكاتبان ذروة المجد الأدبي، وحصد كل منهما جائزة نوبل للآداب، فوكنر عام 1949، وهمنغواي عام 1954، دون أن يسيطر أسلوب أحدهما على الأدب بشكل مطلق. فقد استقر أسلوب الاثنين في مناهج السرد، ويشهد التاريخ بأنهما قمتان متجاورتان، وكأن السباق لم يكن سوى وسيلة لكشف طرق متعددة للوصول إلى المجد الأدبي.

السباق الأدبي نفسه ليس مصمما لإنتاج فائز واحد، فما هو إلا آلية لرفع سقف المطلب والطموح الأدبي

وإذا كان همنغواي وفوكنر يمثلان ذروة هذا التوتر في الأدب الحديث، فإن الأدب الروسي قد دفع بفكرة المنافسة إلى أقصاها، حتى كادت تتحول إلى مبارزة وجودية، على طريقة المبارزة الروسية الشهيرة. فالأمر كان أكثر من مجرد اختلاف في الأسلوب، كان صراعا على تعريف الإنسان نفسه: دوستويفسكي بقلقه العميق وانغماسه في أعماق النفس، في مقابل تولستوي الذي يرى في العالم نظاما أخلاقيا واسعا يمكن الإمساك به من خلال الكتابة. ثم أتى تورغينيف، الواقعي الهادئ، ليقف بينهما كصوت ثالث، قبل أن يتحول الخلاف بينهم إلى ما يشبه العداء العلني. مع ذلك، لم يلغ أحدهم الآخر، ولم يخرج أحدهم من السباق مهزوما، لأن السباق الأدبي نفسه ليس مصمما لإنتاج فائز واحد، فما هو إلا آلية لرفع سقف المطلب والطموح الأدبي.

AFP
إرنست همنغواي وزوجته على متن السفينة "كونستيتيوشن" خلال رحلة عبر الأطلسي نحو أوروبا في الستينات

في الخريف من كل عام، ومع اقتراب إعلان جائزة نوبل للآداب، يتشبع الجو الثقافي بتوتر معلن، أشبه بحمى موسمية تصيب أبرز المرشحين. تتداول الأسماء، وترفع التوقعات، ويعاد ترتيب المشهد كأن هناك خط نهاية يعاد رسمه سنويا. كثير من المرشحين لا تشغلهم القيمة المالية للجائزة بقدر ما يعنيهم الاعتراف الرمزي الذي سيمنح أعمالهم صفة العالمية، وكأن المجد الأدبي المتجاوز للحدود يمكن أن يختصر في لحظة الإعلان. المفارقة أن هذا الفوز، الذي يفترض أنه ذروة التتويج، يتحول غالبا إلى لحظة انطفاء، إذ يدخل كثير من الفائزين، بعد حصولهم على الجائزة، في مرحلة خفوت، وكأن السباق حين يظن أنه انتهى يفقد معناه، مع استثناءات قليلة جدا.

AFP PHOTO / Alfredo Estrella
الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز خلال توقيع وثيقة تأسيس "بيت كولومبيا" في السفارة الكولومبية في مكسيكو، 2004

وسط هذا المناخ، تبدو تجربة غابرييل غارسيا ماركيز وماريو بارغاس يوسا مثلا لافتا على الكيفية التي يمكن المنافسة أن تتجاوز فيها حدودها الرمزية. ثمة صورة شهيرة لماركيز بعين متورمة وندبة داكنة تحتها، تعود إلى لكمة تلقاها من يوسا في لحظة احتدام انتهت إلى قطيعة طويلة. يروى أن الحادثة جاءت على خلفية خلاف شخصي بين العملاقين، لكنها، دون شك، تومئ إلى توتر أعمق بين صوتين سرديين كبيرين تجاورا في الزمان وفي مضمار السباق، حيث يبحث كل منهما عن موقعه داخل خريطة السرد، فيما الآخر يزاحمه ويقطع عليه الطريق.

كان ماركيز يميل إلى توسيع الواقع عبر الحس السحري للواقعية، ويمنح المحكي امتدادا عجائبيا يضاعف دلالاته، في حين كان يوسا يقترب من النموذج الأمثل للمشروع البحثي داخل المعمار الروائي؛ إذ يتميز اشتغاله بالانضباط والتقصي المستمر، فتشكلت كتابته عبر ثنائية الجهد والموهبة معا. الطريقتان مختلفتان، لكنهما متجاورتان، ولم تلغ إحداهما أهمية الأخرى وجمالها.

STAN HONDA / AFP
ماريو فارغاس يوسا يصافح الرئيس البيروفي السابق أليخاندرو توليدو في نيويورك بعد فوزه بنوبل للآداب، 2010

أنواع السباق

هذا التوتر ليس حكرا على الغرب. ففي التراث العربي، اتخذت المنافسة شكلا أكثر حدة، وأقرب إلى حرب البلاط. فالمتنبي كان يصارع فكرة أن يكون كأي شاعر من الشعراء الآخرين، ويكتب كما لو أن عليه أن يلغي الآخرين رمزيا كي يثبت ذاته. مع ذلك، بقي المتنبي، وبقي خصومه، وبقي الشعر نفسه. مرة أخرى، لا ينتصر أحد بالمعنى النهائي، والسباق يستمر، ويستمر معه الأثر.

لا ينتصر أحد بالمعنى النهائي، والسباق يستمر، ويستمر معه الأثر

من هنا، يتضح أن فكرة السباق الأدبي فكرة مركبة، وتحتاج إلى نقاش، فهي صحيحة من حيث أن الكتابة العظيمة لا تنشأ إلا عبر الاحتكاك الدائم مع تجارب كبار الأدباء، الأحياء منهم والموتى، وخاطئة من حيث إن هذا الاحتكاك والمنافسة لا يمكن قياسهما بالوصول إلى خط نهاية معروف أو محدد سلفا.

ومع شيء من التأمل، يمكن التمييز بين نوعين من السباق، سباق أفقي يدور بين المجايلين، تحكمه شروط اللحظة ويقاس بالانتشار والحضور، وسباق رأسي يدخل فيه الكاتب في مواجهة مع تاريخ النوع الأدبي. الأول سريع وصاخب، وغالبا ما ينتهي بانتهاء ظرفه، أما الثاني فبطيء، لكنه الأقدر على إنتاج الأثر.

في هذا السياق، تتضاءل فكرة الموهبة الخالصة. فالموهبة، مهما بلغت، ليست سوى نقطة بداية. ما يصنع الفارق الحقيقي هو الوعي بالمكان الذي يقف فيه الأديب داخل هذا السباق الطويل. وهذا يفرض على الأديب ضرورة أن يفتح عينيه على اتساعهما، ويطلع باستمرار على التجارب الأخرى، إذ يمنعه ذلك من تكرار ما كتب، ويدفعه نحو اكتشاف مناطق جديدة.

AFP
صورة أرشيفية للكاتب الأميركي ويليام فوكنر، أحد أبرز أدباء القرن العشرين

وإن نجح الأديب في تجاوز الآخرين، فإن هذا لا يمثل المرحلة الأخيرة. فبعد أن يقطع شوطا في تجاوز أقرانه ومبارزة أسلافه، يدخل مرحلة أشد قسوة، هي مرحلة مواجهة الذات. هنا يتحول الصراع من الخارج إلى الداخل، فالنجاح السابق يصنع عبئا، والأسلوب المستقر يتحول إلى قيد، وتصبح كل محاولة جديدة مخاطرة بهدم ما بناه الكاتب بنفسه. ولهذا فإن أعظم الأدباء هم أولئك الذين رفضوا الوقوف عند خط نهايتهم الشخصي.

دور النقد

في هذا الصدد، لا ينبغي تجاوز الدور الذي يلعبه النقد في السباق، فللنقد الحقيقي دور في كشف المسارات وفتح الطرق، لا في إعلان المنتصرين. وإلا تحول السباق إلى فوضى، يظن فيها كل كاتب أنه في المقدمة، بينما المضمار نفسه متداع وبلا جمهور.

أما عن السباق في صورته المعاصرة، فقد تعرض لانحراف ملحوظ، إذ لم يعد التنافس الأدبي، في الغالب، يدور حول إضافة جمالية أو مغامرة لغوية، بل أصبح يختزل في سباق مواز تحدده الجوائز. ومع تحول الجوائز إلى مضمار، صار بعض الكتاب يكتبون وهم يضعون في أذهانهم شروط اللجان وإمكان الترشح، مما حول الكتابة من مغامرة مفتوحة إلى مشروع محسوب، يراعي ما يمكن أن يكافأ، بدلا من مراعاة الأثر الممتد عبر الزمن.

AFP
غابرييل غارسيا ماركيز يصافح الكاتب الفرنسي ريجيس دوبريه في حضور دانييل ميتران في ستوكهولم، 1982

في هذا المعنى، يتبدل جوهر المنافسة، وينزاح السباق من مداره الرأسي الممتد حتى عنان السماء إلى مدار أفقي مرئي ومؤقت، وضيق، تحكمه دورات زمنية محدودة. ولا يعني ذلك إنكار قيمة الجوائز بشكل مطلق، لكنها حين تتحول إلى معيار وحيد، تخلق وهم سباق يمكن الفوز به.

مع تحول الجوائز إلى مضمار، صار بعض الكتاب يكتبون وهم يضعون في أذهانهم شروط اللجان وإمكان الترشح

ورغم رفض البعض أو تجاهلهم لأهمية الاحتكاك، وإعلائهم لخصائص العزلة والموهبة الفردية، تظل فكرة السباق الأدبي وجيهة، يعضدها تاريخ معارك الأدباء الفنية والشخصية عبر الزمن.

 SOREN ANDERSSON / AFP
ضيوف خلال مأدبة نوبل في قاعة بلدية ستوكهولم، 2015

لكنها، في طبيعة الحال، فكرة تسابق من نوع خاص، كل شيء فيها يبدو غير معلن. كما أن حركتها مستمرة داخل الزمن، يركض فيها الجميع، كل في مساره الخاص، وعينه على زميله، أو على تجربة ضاربة في القدم، كما كانت عين جيمس جويس على هوميروس. ولهذا، فإن المجد الأدبي الحقيقي لا يحوزه الفائز المؤقت، بل الأديب الذي يهب عمره للفن، والقادر على الاستمرار حتى آخر نفس. إنه سباق، دون أدنى شك، لكنه بلا خط نهاية.

font change