يمكن اعتبار فكرة السباق الأدبي وارتياد مناطق فنية وتعبيرية بكر أحد محركات الإبداع، فكبار الأدباء يتبارون فعليا للوصول إلى مناطق لم تكشف بعد. غير أن هذه الفكرة تظل معقدة بعض الشيء، إذ تثير في طريقها تساؤلات حول طبيعة التنافس. ففي اللحظة التي يظهر فيها على بعض الأدباء اللهاث المحموم، يظل بعضهم الآخر مستسلما لفرضية الركون إلى العزلة، والاستناد إلى الموهبة الفردية المكتفية بذاتها، دون اعتبار للسياق العام والأوسع الذي يتشكل فيه التراكم الإبداعي، حيث يتجاور الجميع داخل فضاء واحد من التأثير والتلقي.
يمكن النظر إلى التنافس باعتباره توترا بنيويا في قلب العملية الإبداعية، وهو توتر يتجلى بوضوح في الخلافات الكبرى بين الأدباء في مختلف العصور. مثل ذلك الخلاف الشهير بين إرنست همنغواي وويليام فوكنر، الذي يقرأه كثير من المتابعين من زاوية التسابق على إثبات الطريقة المثلn للكتابة السردية، وعلى تعريف جوهر الكتابة نفسها. فهمنغواي كان يراهن على التكثيف والاقتصاد، ويكتب كأن كل كلمة زائدة خيانة للمعنى، في حين كان فوكنر يمضي في اتجاه معاكس، غارقا في التعقيد والتشعب، وكأن اللغة لا تفي بوظيفتها إلا حين تبلغ حدها الأقصى، إلى درجة أن اسمه ارتبط بأطول جملة سردية. قال فوكنر في أحد لقاءاته، ساخرا ومعرضا باسم منافسه: "همنغواي لم يعرف عنه كتابة كلمة تجعل القارئ يراجع القاموس"، فجاء رد همنغواي حاسما: "هل يظن فوكنر أن المشاعر العظيمة تأتي من الكلمات العظيمة؟".
حلبة مفتوحة
هذا التوتر، الذي يصعب فهمه خارج فكرة السباق على ناصية السرد، يجعل الأدب أشبه بالحلبة المفتوحة. غير أن المفارقة تكمن في أن هذا السباق لا ينتهي إلى حسم واضح، ويمكن أن يتسع لأكثر من منتصر. فقد بلغ الكاتبان ذروة المجد الأدبي، وحصد كل منهما جائزة نوبل للآداب، فوكنر عام 1949، وهمنغواي عام 1954، دون أن يسيطر أسلوب أحدهما على الأدب بشكل مطلق. فقد استقر أسلوب الاثنين في مناهج السرد، ويشهد التاريخ بأنهما قمتان متجاورتان، وكأن السباق لم يكن سوى وسيلة لكشف طرق متعددة للوصول إلى المجد الأدبي.





