خصخصة التعاسة في "السخط" لبياتريث سيرانو

في هجاء العمل

غلاف النسخة العربية من "السخط"

خصخصة التعاسة في "السخط" لبياتريث سيرانو

حين صدرت رواية "السخط" للكاتبة الإسبانية بياتريث سيرانو عام 2023 (صدرت ترجمتها إلى العربية عن "بيت الكتب" بترجمة أحمد عويضة) لم يكن من الصعب تفسير الصدى الواسع الذي أحدثته في الأوساط الأدبية وبين القراء في إسبانيا. فقد كانت الرواية تتحدث عن تجربة يعرفها ملايين البشر، ويعيشون تفاصيلها يوميا، ومع ذلك نادرا ما يتوقفون أمامها أو يعتبرونها موضوعا روائيا يستحق التأمل.

الذهاب إلى العمل كل صباح، والجلوس لساعات طويلة أمام شاشة الحاسوب، والرد على رسائل البريد الإلكتروني، وحضور الاجتماعات، والتظاهر بالاهتمام بأهداف الشركة وطموحاتها، ثم العودة إلى المنزل في نهاية اليوم بشعور غامض من الإنهاك، من دون أن يكون المرء قادرا على تحديد الشيء الذي استنزفه على وجه الدقة.

منظومة معقدة

ربما كان هذا واحدا من أسرار الاستقبال الذي حظيت به الرواية. لقد تعرف كثير من القراء إلى أنفسهم في عالمها، ورأوا في بطلتها ماريسا شيئا من السخط الذي يصعب التعبير عنه في حياة المكتب اليومية. فنحن نعيش في زمن أصبح فيه التذمر من العمل أمرا مألوفا، ومع ذلك يظل الاعتراف بكراهيته أكثر تعقيدا مما يبدو. هناك منظومة كاملة من الخطابات الحديثة التي تطالب الإنسان بأن يحب ما يفعله، وأن يبحث عن شغفه، ويطور نفسه باستمرار، ويشعر بالامتنان للفرصة التي حصل عليها، حتى أصبح الملل والإرهاق والرغبة في الانسحاب مشاعر ينبغي إخفاؤها أو الاعتذار عنها.

من هذه المنطقة تكتب بياتريث سيرانو روايتها "السخط... تظاهر حتى يتركوك وشأنك!". فهي تقترب من مفارقة متصلة بحياة الإنسان المعاصر: ماذا لو كان لديك عمل جيد، وراتب منتظم، ومكتب مريح، وجميع الحقوق التي يفترض أن تجعل منك موظفا سعيدا، ثم اكتشفت، رغم ذلك كله، أنك تكره حياتك؟

هذا العالم العادي سرعان ما يكشف عن وجه أكثر قسوة، يتسلل فيه العمل إلى حياة الإنسان، حتى يستولي على وقته وأعصابه وأفكاره

تضع الرواية قارئها أمام هذا السؤال، ثم تترك ماريسا تقوده إلى عالم مألوف: شركة إعلانات، ومكاتب، واجتماعات، ورسائل إلكترونية، وزملاء يتبادلون المجاملات والشكوك، ومديرون يتحدثون بلغة الحماسة والإنجاز. غير أن هذا العالم العادي سرعان ما يكشف عن وجه أكثر قسوة، يتسلل فيه العمل إلى حياة الإنسان، حتى يستولي على وقته وأعصابه وأفكاره، ويتركه أمام مهمة شديدة الصعوبة، أن يتظاهر كل صباح بأنه بخير، حتى يتركه الآخرون وشأنه.

ماريسا امرأة في الثلاثين، تعمل في وكالة إعلانات في مدريد، وتمتلك، ظاهريا، حياة لا تدعو إلى كل هذا الضيق. مع ذلك، فإن أكثر ما يشغلها هو البحث عن طريقة تستطيع بها عبور يوم العمل بأقل قدر ممكن من المشاركة. لا تحلم بالترقي، ولا تسعى إلى إثبات نفسها، ولا يعنيها أن تصبح نسخة أفضل من الموظفة التي كانت عليها في الأمس. لقد تجاوزت ذلك الوهم الذي تقوم عليه ثقافة العمل الحديثة، حين تحاول إقناع الإنسان بأن وظيفته ينبغي أن تكون شغفه، وأن نجاح المؤسسة نجاح شخصي له.

النسخة الإسبانية من رواية السخط

كل ما تريده ماريسا هو أن يتركها الآخرون وشأنها. ولهذا تتقن اللعبة، تعمل بالقدر الذي يحميها من الطرد، وتشارك بالقدر الذي يمنع الآخرين من ملاحظة انسحابها، وتظهر اهتماما كافيا بما يدور حولها. إنها لا تواجه النظام الذي تعيش داخله، ولا تحاول تغييره، وفي الوقت نفسه تبحث عن مكان صغير تختبئ فيه بعيدا من مطالبه، فتنهمك في مشاهدة مقاطع على اليوتيوب عن حيوات عادية وبطيئة، أو أفلام وثائقية لحيوانات في أماكن بعيدة.

تحت المجهر

من هنا يكتسب العنوان الفرعي للرواية، "تظاهر حتى يتركوك وشأنك"، دلالته الأعمق. فالتظاهر بالنسبة إلى ماريسا طريقة كاملة للعيش. عليها أن تبدو مهتمة حين تشعر بالملل، ومتحمسة حين تكون منهكة، واجتماعية حين ترغب في الاختفاء.

لا تحتاج سيرانو إلى أحداث كبرى أو تحولات درامية صاخبة. يكفيها مكتب ومجموعة من الموظفين ورحلة عمل، حتى تضع شخصياتها تحت المجهر وتراقب ذلك المزيج من الملل والقلق والتنافس والخوف الذي يحكم العلاقات داخل أماكن العمل.

فالزملاء الذين يحيطون بماريسا ليسوا أصدقاء تماما ولا أعداء. تجمعهم ساعات طويلة يقضونها في المكان نفسه، وتجبرهم الوظيفة على معرفة تفاصيل كثيرة عن بعضهم، من دون أن تنتج هذه المعرفة علاقات إنسانية حقيقية. وفي وسط هذه العلاقات، تبدو ماريسا في حالة مراقبة دائمة، تحلل الكلمات والإشارات والتصرفات، وتحاول أن تفهم ما الذي ينبغي قوله وما الذي يستحسن إخفاؤه. فالعمل المكتبي، كما تصوره الرواية، يقوم أيضا على إتقان مجموعة هائلة من الأدوار الصغيرة التي ينبغي للموظف أن يؤديها كل يوم.

قبل سنوات من صدور "السخط"، حاول الفيلسوف بيونغ تشول هان تفسير التحول الذي طرأ على علاقة الإنسان المعاصر بالعمل، حين رأى أن المجتمعات الحديثة انتقلت إلى مرحلة أكثر تعقيدا من الاستغلال، أصبح فيها الإنسان "سيد نفسه وعبدها على حد سواء". لم تعد السيطرة تحتاج دائما إلى قوة خارجية تفرض على العامل ما ينبغي فعله، فقد أصبح قادرا على القيام بهذه المهمة بنفسه، يطالب ذاته بالمزيد من العمل والإنجاز والتطور، ثم يحملها مسؤولية فشلها حين تعجز عن الاستمرار.

. Miguel RIOPA / AFP
الفيلسوف والمنظر الثقافي الكوري الجنوبي - الألماني بيونغ تشول هان بعد تسلمه جائزة أميرة أستورياس للتواصل والعلوم الإنسانية.

تكاد "السخط" أن تكون الترجمة الروائية لهذا التحول. فالعالم الذي تعيش فيه ماريسا لا يضم صاحب عمل قاسيا أو موظفا محروما من حقوقه. لقد استطاع نظام العمل الحديث أن يتخلص من معظم مظاهر القسوة القديمة من دون أن يتخلى عن قدرته على السيطرة على حياة الإنسان.

المجتمعات الحديثة انتقلت إلى مرحلة أكثر تعقيدا من الاستغلال، أصبح فيها الإنسان "سيد نفسه وعبدها على حد سواء"

تغيرت الأدوات فقط. رسالة تصل إلى البريد الإلكتروني مساء كافية لإعادة الموظف نفسيا إلى المكتب الذي غادره قبل ساعات. يستطيع أن يغلق حاسوبه ويعود إلى منزله، ثم يكتشف أن العمل قد عاد معه، يعيش داخل هاتفه المحمول، ويتسلل إلى عطلته، ويقيم في ذلك الجزء من ذهنه المشغول بالمهمة التي لم تنته والاجتماع الذي ينتظره في الصباح.

قراءة الإشارات

كان العامل في الأزمنة السابقة يغادر المصنع ويترك آلة العمل خلفه. أما الموظف المعاصر، فقد حمل المصنع معه إلى المنزل. وتلتقط سيرانو وجها آخر لهذه السيطرة. فالعمل يحول الموظف إلى قارئ دائم للإشارات المحيطة به: لماذا لم يرد المدير على رسالتي؟ لماذا استدعى زميلي إلى الاجتماع ولم يستدعني؟ هل هناك إعادة هيكلة؟ هل أخطأت في شيء لم يخبرني به أحد؟

ولعل المفارقة الأكثر قسوة أن الموظف يفعل ذلك لأنه يكره العمل ويخشى فقدانه في الوقت نفسه. فالمكتب الذي يشكو منه كل صباح هو المكان الذي يمنحه راتبه واستقراره. يريد الهرب منه، ثم يبذل كل ما يستطيع حتى لا يجد نفسه خارجه.

غير أن هذه الحياة التي تستنزف الإنسان لا تتركه وحيدا أمام تعاسته، فقد أنتج العالم المعاصر، إلى جانب أسباب القلق والإنهاك، وسائل كثيرة تساعده في احتمالها: المهدئات والعقاقير والمواد الممنوعة ومضادات الاكتئاب، وغيرها من الوسائل التي تلجأ إليها ماريسا بالفعل، وتبدو جزءا من محاولتها اليومية لعبور الساعات الثقيلة بأقل قدر ممكن من الألم.

من هنا تقترب الرواية من فكرة شديدة الدلالة. فالنظام الذي ينتج القلق والإرهاق يدفع كل فرد إلى إدارة تعاسته بنفسه. فإذا عجز عن النوم، أو فقد قدرته على التركيز، أو لم يعد قادرا على احتمال يومياته، فعليه أن يبحث عن العلاج، ويضبط مشاعره، ويستعيد توازنه حتى يتمكن من العودة إلى العمل.

يمكن القول إن العالم المعاصر نجح، بهذه الطريقة، في "خصخصة تعاسة العامل". لم يعد السؤال يتجه إلى الظروف التي جعلت كل هؤلاء الناس مرهقين وقلقين وعاجزين عن الاستمتاع بحياتهم، وإنما إلى الخلل الذي أصاب كل واحد منهم على حدة. تصبح المعاناة مشكلة شخصية، ويصبح علاجها مسؤولية فردية، فيما يواصل النظام الذي أنتجها سطوته بصورة طبيعية.

 Cesc Maymo/Getty Images
الكاتبة الإسبانية بياتريث سيرانو خلال جلسة تصوير في برشلونة.

تكتسب هذه الفكرة معناها الأكثر سخرية في نهاية الرواية. إذ تجتمع ماريسا مع زملائها في نشاط ترفيهي تنظمه الشركة لتعزيز روح الفريق، غير أنها تخلط لهم كمية من الحبوب المخدرة داخل العصير، وتقدمها إلى الجميع من دون علمهم. تبدو النهاية شديدة العبث، لكنها تختصر عالم الرواية كله. فالشركة التي عجزت عن صناعة السعادة الحقيقية لموظفيها تحصل عليها أخيرا بطريقة كيميائية. الأشخاص الذين لم تنجح الاجتماعات والأنشطة الجماعية وخطابات التحفيز في تقريبهم من بعضهم، يجدون أنفسهم فجأة أكثر انسجاما وانفتاحا وقدرة على التواصل. لقد تحقق، بطريقة ساخرة تماما، ما كانت المؤسسة تسعى إليه، وأصبح الموظفون أخيرا فريقا سعيدا دون علمهم بالسبب الحقيقي.

تصبح المعاناة مشكلة شخصية، ويصبح علاجها مسؤولية فردية، فيما يواصل النظام الذي أنتجها سطوته بصورة طبيعية

وهنا تظهر براعة بياتريث سيرانو في اختيار السخرية لغة فنية لروايتها. كان من الممكن أن تتحول "السخط" إلى خطاب غاضب من الرأسمالية، أو شكوى طويلة من قسوة العمل، لكن الكاتبة تدرك أن العالم الذي تصفه أكثر عبثية من أن تعالجه بالجدية وحدها. لذلك تترك شخصياتها تتحرك داخل مفارقاته، وتراقبها بنبرة ساخرة تزداد قسوة كلما بدت أكثر إضحاكا. فنحن نضحك على الاجتماعات التي لا تنتهي، وعلى لغة الشركات، وعلى الموظفين الذين يتظاهرون بالحماسة، وعلى المديرين الذين يتحدثون عن "العائلة" و"روح الفريق"، ثم نكتشف تدريجيا أن ما نضحك عليه ليس عالما غريبا عنا. إنه العالم الذي يقضي فيه ملايين البشر معظم أيامهم.

font change

مقالات ذات صلة