حكاية ليبيتين... الفجوة بين العناوين البراقة وما تكشفه التفاصيل

هدوء بلا سلام

رويترز
رويترز
مقاتل من الثوار يظهر خلف علم المملكة الليبية قرب خط المواجهة على طول البوابة الغربية لمدينة أجدابيا، 18 أبريل 2011

حكاية ليبيتين... الفجوة بين العناوين البراقة وما تكشفه التفاصيل

يصعب القول إن ليبيا اليوم تعيش أفضل أحوالها، مثلما يصعب القول إنها تمر بأسوئها. فالصورة تتبدل بحسب الجهة التي تنظر منها إليها، وبحسب من تسأله.

في 30 أغسطس/آب، وُقع اتفاق وضع حدا لخلافات مزمنة عرقلت المسار الانتخابي في ليبيا على مدى نحو خمس سنوات. ويرى مسؤولو الأمم المتحدة والدبلوماسيون الذين أشرفوا عليه أن الاتفاق قد يفتح الباب أمام ربيع ديمقراطي في البلاد. لكن الصورة تبدو مختلفة تماما لدى النشطاء الليبيين والسياسيين بمختلف توجهاتهم، إذ يتحدث كثير منهم بقلق عن احتمال أن تكون ليبيا مقبلة، على العكس، على شتاء من الحكم السلطوي.

تكمن المفارقة في الفجوة بين العناوين البراقة وما تكشفه التفاصيل. فمن جهة، تمكن ممثلو القوى الحاكمة في ليبيا أخيرا من التوصل إلى اتفاق، وهو بحد ذاته إنجاز نادر في المشهد الليبي. لكن بنود الاتفاق تثير في المقابل مخاوف جدية، إذ تقلص صلاحيات البرلمان المقبل، وتمنح الرئاسة سلطات واسعة، كما تتيح للعسكريين خوض الانتخابات إلى جانب المرشحين المدنيين. ولهذا يخشى منتقدو الاتفاق أن يكون المسار قد صيغ لتهيئة الطريق أمام وصول حفتر إلى الرئاسة، بدلا من أن يشكل خطوة نحو نظام سياسي تمثيلي طالما تطلع إليه الليبيون. ويزداد هذا القلق بالنظر إلى أن الاتفاق جاء بعد أشهر من مساع أميركية للتوصل إلى صفقة يتولى بموجبها صدام، نجل حفتر ووريثه المفترض، الرئاسة بصورة مؤقتة.

وفي 14 سبتمبر/أيلول، عاد مجلس النواب الليبي إلى الانعقاد بعد توقف دام أكثر من ثمانية أشهر. وحضر الجلسة ما يزيد قليلا على 30 نائبا من أصل 200، وصادقوا، بحسب تقارير، بالإجماع على الاتفاق خلال جلسة مغلقة. ورحبت الأمم المتحدة بالخطوة، واعتبرتها دليلا على التوافق والتقدم، ونموذجا لما قد تكون عليه الديمقراطية الليبية في المرحلة المقبلة. وبعيدا عن السياسة، يعيش الاقتصاد الليبي أفضل أوقاته، على الأقل منذ حرب 2011. فإنتاج النفط يواصل تسجيل أعلى مستوياته منذ ذلك الحين، في وقت ترتفع فيه الأسعار العالمية بفعل الحرب على إيران. كما تدرس شركات دولية كبرى العودة إلى السوق الليبية، بينما تواصل مؤتمرات الاستثمار البراقة ومشاريع إعادة الإعمار التي يشرف عليها حاكما البلاد تصدر العناوين. ويتكرر التلويح بقرب إعادة افتتاح مطار طرابلس الدولي بحلة أكثر فخامة، فيما احتفل بافتتاح ملعب بنغازي الجديد من خلال مباراة ودية جمعت اثنين من عمالقة كرة القدم الأوروبية، إنتر ميلان وأتلتيكو مدريد.

لكن خلف هذه الصورة البراقة، تكشف التفاصيل واقعا اقتصاديا مختلفا تماما. فليبيا تعيش اليوم واحدة من أسوأ مراحلها الاقتصادية منذ خمسينات القرن الماضي، حين عانت البلاد من مجاعة واسعة النطاق. ويظهر عمق الأزمة بوضوح في السوق السوداء للعملة، حيث يواصل الدينار الليبي تراجعه إلى ما دون 10 دنانير مقابل الدولار. ومع الارتفاع المتواصل في الأسعار، بات كثير من الليبيين عاجزين عن شراء اللحوم بانتظام أو تأمين غذاء متوازن لأسرهم.

ويعاني شرق ليبيا وغربها على السواء من انقطاعات طويلة للكهرباء قد تمتد أحيانا لأكثر من 24 ساعة، فتترك السكان في مواجهة حر الصيف القاسي من دون تيار كهربائي. وفي مختلف أنحاء البلاد، يصطف الليبيون في طوابير طويلة ومزدحمة للحصول على الوقود، رغم أن الدولة تستورد منه كميات قياسية. وفي شتى القطاعات، تتكرر الشكاوى من تفشي الفساد، ومن سيطرة شبكات الفساد المالي والإداري على قطاعات كاملة، ومن مؤسسات حكومية ونظام مصرفي يصعب التعامل معهما فعليا من دون علاقات ونفوذ.

خلف هذه الصورة البراقة، تكشف التفاصيل واقعا اقتصاديا مختلفا تماما. فليبيا تعيش اليوم واحدة من أسوأ مراحلها الاقتصادية منذ خمسينات القرن الماضي، حين عانت البلاد من مجاعة واسعة النطاق

 وفي موازاة ذلك، ظهرت شركات جديدة، من بينها شركة "أركنو" للنفط التي يقال إن ممثلين عن الأسر الحاكمة في ليبيا يملكونها، ونجحت في كسر احتكار الدولة بيع نفطها، لتنتقل بذلك مليارات الدولارات من الثروة الليبية إلى أيد خاصة. ومع انقطاع الكهرباء وشح الوقود وغياب النظام، يحتضر الاقتصاد الحقيقي، فيما يزدهر التربح من النفوذ والامتيازات. ولا تختلف صورة الأمن والاستقرار كثيرا في تناقضاتها. فمن جهة، تنعم ليبيا بقدر من الهدوء، إذ لم تشهد حربا منذ ربيع 2020. كما تجري قوات حفتر والقوات الحكومية تدريبات مشتركة مع القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، ضمن مسار يراد له أن يمهد لتوحيد القوتين العسكريتين وترسيخ سلام دائم.

أ.ف.ب
مركبات تنتظر في طابور طويل للتزود بالوقود في الضواحي الشرقية للعاصمة الليبية طرابلس، في 20 أغسطس 2026

لكن هذا الهدوء يخفي وراءه واقعا أكثر اضطرابا. فقد شهدت طرابلس العام الماضي أعنف معاركها منذ حرب 2019 و2020، ووصلت الدبابات والطائرات المسيّرة إلى الأحياء السكنية. وفي صيف هذا العام، وفي خضم انقطاعات حادة للكهرباء، هاجمت الميليشيات مصفاة الزاوية بالطائرات المسيّرة، وهي المصفاة الوحيدة العاملة في ليبيا، ودمرت خزانات تضم كميات من الوقود الضروري للسيارات والمولدات.

ولا تبدو مناطق سيطرة حفتر أكثر استقرارا. فقواته تخوض نزاعات متواصلة داخل المناطق الخاضعة لها، وسط خلافات بين صدام وقادة عسكريين آخرين. كما أدى حصار مدينة القطرون في جنوب ليبيا أخيرا إلى بروز حركة مقاومة جديدة. وبينما تتهم قوات في الغرب حفتر بالوقوف وراء هجمات الطائرات المسيّرة، يتهم هو بدوره قوات الغرب بإثارة الاضطرابات ضده في الجنوب. ويضاف إلى هذا المشهد تصاعد الاغتيالات في مختلف أنحاء البلاد. فخلال الأشهر الاثني عشر الماضية، قُتلت شخصيات بارزة في شرق ليبيا وغربها، من بينها رئيس مخابرات حفتر، كما طالت الاغتيالات شخصيات من المعارضة، أبرزها سيف الإسلام، نجل القذافي.

لا تبدو مناطق سيطرة حفتر أكثر استقرارا. فقواته تخوض نزاعات متواصلة داخل المناطق الخاضعة لها، وسط خلافات بين صدام وقادة عسكريين آخرين

ورغم الانقسام الداخلي بين الليبيين، يبدو أن القوى الدولية المعنية بليبيا باتت أقرب من أي وقت مضى إلى التوافق بشأنها. فدول كانت تقف سابقا في معسكرات متعارضة، مثل تركيا وروسيا والإمارات ومصر، أصبحت أكثر استعدادا للتفاهم على الأرض والانخراط في المسار الأميركي. كما رحب مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بإجماع أعضائه، بالاتفاق الأخير. لكن هذا التوافق الظاهر لا يلغي التصدعات التي بدأت تظهر في الموقف الدولي من ليبيا. فمسار الأمم المتحدة يحقق تقدما للمرة الأولى منذ خمس سنوات، بعدما انحصر دوره عمليا في تيسير وساطة مسعد بولس تحت اسم آخر. وفي الكواليس، تبدي الدول المشاركة في مسار برلين، وهو الإطار الدبلوماسي المعني باستقرار ليبيا، قلقا من تداعيات التحركات الأميركية، وإن لم يصل هذا القلق إلى حد مواجهتها. وتكشف ندرة البيانات المشتركة، فضلا عن صياغة ما يصدر منها وتوقيت نشره، مدى صعوبة التوصل إلى موقف دولي موحد.

أ.ف.ب
مصفاة للنفط في بلدة رأس لانوف بشمال ليبيا، في 3 يونيو 2020

ولا تقتصر هذه التصدعات على المسار الدبلوماسي، فقد امتدت الحرب الروسية-الأوكرانية إلى ليبيا، وسط مزاعم عن مشاركة وحدات أوكرانية في تدريبات، ونشر طائرات مسيرة منخفضة التكلفة، وإغراق ناقلة نفط قبالة الساحل الليبي، في حادث كان يمكن أن يخلف عواقب بيئية كارثية. وفي الوقت نفسه، تواصل روسيا وأطراف أخرى تطوير قواعد عسكرية وبرية وبحرية وجوية في البلاد، وإدخال كميات مقلقة من الأسلحة بحرا وجوا. وامتدت تداعيات الحرب في السودان إلى ليبيا أيضا، إذ قصفت القوات المسلحة السودانية وشنت غارات على خطوط إمداد تمر عبر منطقة الكفرة في جنوب شرق البلاد، في محاولة لقطع طرق تستخدم في تغذية الحرب الأهلية السودانية. وباختصار، لم تعد ليبيا بلدا طبيعيا، فبعض أكثر سلطاتها صخبا تصر على تقديمها دائما في أقصى صورها، سواء نحو الأفضل أو نحو الأسوأ.

font change

مقالات ذات صلة