صفقة ترمب الليبية... "زواج قسري" بين الشرق والغرب

أزمة رهينة لقرار دولي

AFRICOM
AFRICOM
جنود من القوات الليبية المشتركة خلال عرض افتتاح مناورات "فلينتلوك- 2026" في سرت، ليبيا، في 14 أبريل 2026

صفقة ترمب الليبية... "زواج قسري" بين الشرق والغرب

لم تُبدِ أوساط الرأي العام في ليبيا أي ترحيب كبير بخارطة الطريق الرامية لإيجاد حل للأزمة الليبية التي أعلنت عنها في أغسطس/آب من العام الماضي السيدة حنا تيته، مبعوثة الأمم المتحدة الجديدة. فكان قد سبقها أكثر من ثمانية مبعوثين أمميين، لم يتمكنوا من إعادة الأمور إلى نصابها في بلد ظل يعاني منذ 2011 من تقلبات وأزمات سياسية وأمنية واقتصادية.

وبالرغم من الانتقادات اللاذعة والمتكررة لبعثة الأمم المتحدة من أوساط ليبية كثيرة، فإنه ينبغي التأكيد على أن الحل في ليبيا أصبح رهينة تدخلات إقليمية ودولية، لا يمكن لليبيين ولا للمبعوثين الدوليين مجابهتها أو على الأقل التخفيف من حدتها. صحيح أن كل البيانات السياسية التي تصدر عادة من مجلس الأمن، أو من اجتماعات خارجية بين أطراف منخرطة في الملف الليبي، تصر على أن ملكية الحل وقيادته، لا بد أن تكون ليبية، إلا أن هذه التصريحات لا يمكن أن تخفي حقائق ناصعة أساسها أن القرار دولي وليس ليبياً.

عندما حاول قائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر أن يعزف على وتر الحل الليبي في العام الماضي، صدر بيان في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني من عشر دول غربية وإقليمية، تناقض فيه طموحات حفتر في رئاسة ليبيا، تحت عباءة الحل الليبي لمشاكلها، وتؤكّد أن الحل لا بد أن يشمل أطرافا ليبية أخرى في غرب البلاد تتمتع بدعم إقليمي ودولي، ليخرج مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، بعد إصدار البيان بأسبوع، ليؤكد أنه كان وراء استصدار البيان. ذلك أن بولس كان قد شرع منذ سبتمبر/أيلول من العام الماضي في استشراف حل يجمع العائلتين في طرابلس وبنغازي، ويحظى بدعمهما لجزئيات هذا الحل السياسية والعسكرية والاقتصادية.

وقد أكد بولس على هذا المسار في اجتماع آخر بباريس في يناير/كانون الثاني الماضي، دعا إليه من جانب صدام، ابن خليفة حفتر، والذي يضطلع بمهام نائب أبيه، القائد العام للجيش الوطني الليبي، ومن جانب آخر إبراهيم الدبيبة، مستشار الأمن القومي لحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، وابن أخت عبدالحميد رئيس مجلس وزرائها.

ومنذ ذلك الحين، يواصل المستشار الأميركي مساعيه في تنفيذ خطته التى شهدت التوقيع في أبريل/نيسان من هذا العام، على اتفاق هام بين الطرفين الرئيسين في شرق وغرب البلاد، بشأن الإنفاق التنموي الموحد، يتضمن اعتماد الجداول العامة لإنفاق الدولة، ليتبع ذلك مشاركة القوات المسلحة في غرب وشرق ليبيا في مناورات "فلينتلوك" في مدينة سرت التي أشرفت عليها قيادة "أفريكوم" الأميركية.

التسريبات التي رشحت في الأشهر الأخيرة تشير إلى الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة في منصبه كرئيس للحكومة الموحدة مع حصول صدام حفتر على منصب رئاسة المجلس الرئاسي

ولم ينفك مسعد بولس في التأكيد على مضيه قدما في عملية توحيد المؤسسات السياسية والأمنية والاقتصادية في ليبيا في تصريحات عديدة، دون أن يفصح عن التفاصيل الدقيقة المتعلقة بخطته. إلا أن التسريبات التي رشحت في الأشهر الأخيرة تشير إلى الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة في منصبه كرئيس للحكومة الموحدة مع حصول صدام حفتر على منصب رئاسة المجلس الرئاسي. ولا يبدو أن مساعي بولس في ليبيا كانت غائبة عن اجتماع ضمه مع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا في مدينة العلمين المصرية يوم السبت 20 يونيو/حزيران الماضي، لتتبعه زيارة مدير المخابرات المصرية، اللواء حسن رشاد، للعاصمة طرابلس غداة اجتماع العلمين، حيث اجتمع مع رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، ومسؤولين آخرين في حكومة الوحدة الوطنية، لتؤكد على وجود مصر في قلب التغيرات السياسية المحتملة في ليبيا، بما في ذلك تنمية علاقاتها مع غرب البلاد، وعدم حصرها في علاقات وثيقة مع القيادة العامة للجيش الوطني الليبي، التي شابتها أخيرا تزويد الأخيرة "قوات الدعم السريع" بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) في السودان بالسلاح والوقود، وهو أمر تعتبره القاهرة مساسا خطيرا بالأمن القومي المصري، خاصة وأنها تدعم الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس العسكري الانتقالي.

الرئاسة المصرية
الرئيس عبد الفتاح السيسي، يستقبل مسعد بولس كبير مستشاري رئيس الولايات المتحدة الأميركية للشؤون العربية والأفريقية

تحركت مصر وتركيا بعد التوصل لتفاهمات لخفض التصعيد في المنطقة لا سيما في الملف الليبي بعد سنوات من الخلاف، من ضمنها مؤخراً ، زيارات ولقاءات لقيادتي المخابرات في البلدين للشرق والغرب، في توقيت الحديث عن الخطة الأميركية لتقاسم السلطة بين الشرق والغرب، في إشارة إلى أن أي تسوية لتوازنات جديدة، لا بد أن تشمل القاهرة وتركيا، وليس لطرف واحد، فقبل أربعة أيام في 22 يونيو، التقى في طرابلس مدير المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة، وعددا من المسؤولين العسكريين والأمنيين، بعد لقائه في القاهرة صدام حفتر نائب القائد العام بالقوات المسلحة للجيش الوطني الليبي في معسكر الشرق ومسعد بولس، في تقارب بات واضحاً بين القاهرة والغرب الليبي، وسط تفاهمات مع المعسكر الشرقي، تدعم القاهرة توحيد المؤسسات الليبية عبر عملية ليبية-ليبية شاملة، وضرورة خروج كافة القوات الأجنبية والمرتزقة من الأراضي الليبية تنفيذاً للمقررات الدولية، وتمهيداً لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في أقرب وقت على اعتبار أن أمن ليبيا جزء من الأمن القومي المصري.

تزامن ذلك مع تحول جذري في سياسة تركيا في ليبيا، بفتح قنوات اتصال مباشر مع الشرق الليبي، الثلاثاء 23 يونيو، تحرك رئيس المخابرات التركية إبراهيم قالن إلى ليبيا، التقى رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي والدبيبة ومسؤولين عسكريين وأمنيين في طرابلس، والفريق صدام حفتر في بنغازي، تشير تركيا لتقريب وجهات النظر لإعادة توحيد المؤسسات الليبية، وضمان استدامة أي تسوية سياسية، هذا المسار الذي تتبناه تركيا حالياً بالتقريب بين الغرب والشرق الليبي، يعد تحولاً في الموقف التركي بعد سنوات من دعم المعسكر الغربي الليبي، مع توقيع مذكرة تفاهم تقسيم الحدود البحرية المثير للجدل مع طرابلس في عام 2019.

وقد سبق هذه التحركات الإقليمية والدولية حراك داخلي، تمثل في بيان ثلاثي مفاجئ صدر عن رؤساء مجالس الرئاسة والنواب والأعلى للدولة، قبل يومين من إحاطة حنا تيته أمام مجلس الأمن في 18 يونيو الماضي، تطرح فيها مبادرة تفضي إلى انتخابات برلمانية ورئاسية في فبراير/شباط من العام المقبل، مع الإبقاء على الأوضاع المؤسسية الحالية.

 وأكد الرؤساء الثلاثة على نيتهم الضغط على المبعوثة الأممية بإحالة نص خطتهم إليها، مما دفع فريق صدام حفتر في بنغازي، إلى إصدار القيادة العامة لبيان تؤيد فيه صراحة خطة بولس، كرد صارم على مبادرة الرؤساء الثلاثة. ولم يكن مستغربا أن يصدر بعد ذلك 47 نائباً من مجلس النواب بيانا يعلنون فيه مباركتهم للمسعى الأميركي، بحكم تأييدهم لأطراف طرابلس وبنغازي المعنيين بتحركات واشنطن.

الاعتراضات على مخطط بولس لا تأتي من داخل ليبيا فحسب، فروسيا لا ترتاح إليه لأنه يأتي من خارج نطاق مجلس الأمن وعملية برلين التي كانت روسيا جزءا منها

كما لم يغب عن هذا الدعم عبدالحكيم بلحاج، أحد قيادات الإسلام السياسي في ليبيا، الذي أعرب هو الآخر من طرابلس عن تأييده لخطة بولس، مع دعوته الأخير إلى الإفصاح عن تفاصيلها. إلا أنه يجدر هنا بنا التوقف عند موقف بلحاج الهام، الذي جاء مغايرا لموقف الصادق الغرياني، مفتي ليبيا، وزعيم التيار الإسلامي المتطرف، الذي عبّر وبشراسة عن معارضته لخطة بولس، التي ترمي إلى تنصيب صدام حفتر كرئيس للمجلس الرئاسي، تلكم المعارضة التي تشاطره فيها وبقوة جماعات من مصراتة التي ينحدر منها عبدالحميد الدبيبة نفسه. ولا يمكن في هذا الصدد إهمال آراء الأغلبية الصامتة في غرب وشرق وجنوب البلاد التي يعبر عنها نشطاء سياسيون، وأحزاب سياسية تنتمي إلى التيار المدني الديمقراطي، حيث إنهم يعارضون بشدة تمكين عائلتي الدبيبة وحفتر من الاستمرار في تسيير دفة السلطة التنفيذية، والتحكم في أجهزة الدولة، خاصة بعد صدور تقرير لجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن في أبريل/نيسان الماضي، والذي جاء منددا وعلى وجه الخصوص بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وجرائم تهريب وبيع غير مشروع للبترول، ارتكبها مسؤولون من العائلتين ومساعدون لهم، تمس بالأمن العام والاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد.

أ.ف.ب
رئيس حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا عبد الحميد الدبيبة ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط بالإنابة مسعود سليمان موسى في مؤتمر صحافي في طرابلس، 11 فبراير 2026، لإعلان أول منح جديدة لتراخيص استكشاف وإنتاج النفط منذ 17 عاما

الحقيقة المُرة التي يعيها الليبيون أنه لا يوجد بريق من الأمل يلوح في الأفق إذا ما تم تنفيذ مسعى بولس. فرئيس الوزراء الدبيبة لم يبد أية نية في إصلاح الأوضاع المعيشية، التي تمسهم عن قرب، والتي يعانون منها يوميا، بل إنه دلل والدائرة التي تحيط به، على حرصهم جميعا على نهب المال العام، وهو المحرك الأساسي لوجودهم في السلطة. ولا يختلف الأمر في الحكومة الموازية والمؤسسات الأخرى التي يسيطر عليها أبناء المشير خليفة حفتر في بنغازي.

لم تلتفت كل هذه القوى المسيطرة على المشهد العام إلى حل شح السيولة النقدية في البنوك المحلية، ولا إلى هبوط سعر الدينار الليبي مقابل الدولار، الذي يتسبب بدوره في ارتفاع الأسعار والتضخم، ولا إلى أزمات الوقود المتكررة، ولا إلى الكهرباء التي لا تتوفر وأحيانا تمتد لساعات طويلة، ولا إلى الحد من اشتباكات بين الميليشيات في العاصمة، ومناطق أخرى، والتي تقود أحيانا إلى زهق أرواح المدنيين، فضلا عن غياب الحريات العامة في كافة أنحاء البلاد.

إلا أن الاعتراضات على مخطط بولس لا تأتي من داخل ليبيا فحسب، فروسيا لا ترتاح إليه لأنه يأتي من خارج نطاق مجلس الأمن، وعملية برلين التي كانت روسيا جزءا منها. ذلك أن اتصالات وتنسيق مستشار الرئيس الأميركي تضم دولا غربية وإقليمية، وتستبعد في الوقت نفسه الروس الموجودين عسكريا في شرق البلاد. ولا يخفى على روسيا أن كل هذه المساعي الهادفة إلى توحيد المؤسسات السياسية والعسكرية في ليبيا، ترمي في نهاية المطاف إلى الحد في مرحلة أولى من الوجود العسكري الروسي في شرق وجنوب ليبيا، قبل إنهائه في مرحلة لاحقة.

يمكن لخطة بولس أن تتوصل إلى تحريك المياه الراكدة في ليبيا والتي قد تستمر إذا ما واجهت هذه الخطة عوائق لم تكن محسوبة في معادلات واشنطن

ومن ثم، تجد المبعوثة الأممية نفسها أمام أوضاع معقدة، فهي داخليا تعي أهمية وفداحة المشاكل التي تعاني منها أوساط عريضة في الرأي العام الليبي، وطموحاتها في مجابهتها من خلال حلول جذرية، وهو ما أشارت إليه حنا تيته بوضوح في إحاطتها الأخيرة لمجلس الأمن. إلا أنه يبدو أن المبعوثة الدولية قد اتجهت إلى التماشي مع مخطط بولس، حيث شكلت موخراً لجنة مصغرة، معبرة عن تمثيل العائلتين الواضح بأربعة أعضاء لكل منهما، آملة أن تتمكن هذه اللجنة من التغلب على بعض الصعوبات العالقة أمام تنفيذ خارطة الطريق، التي أعلنت عنها العام الماضي. فهي تتوق إلى توصل هذه اللجنة إلى اتفاق حول قوانين الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي تحتاج إلى تعديل، بناء على توصيات لجنة استشارية شكلتها العام الماضي من مختصين قانونيين وسياسيين ليبيين. وإذا نجحت هذه اللجنة المصغرة في ذلك، فإن الباب سيكون مفتوحا بعدها لتشكيل حكومة موحدة، وهي مرحلة تضمنتها خارطة الطريق الأممية، بعد التغلب على إشكالية القوانين الانتخابية.

ومهما كان حجم التحديات المحلية والخارجية، التى تواجه المساعي الأميركية في حل الأزمة، فإن ليبيا بدأت في نظر الولايات المتحدة تأخذ أهمية أكبر من ذي قبل، بعد أزمة الطاقة العالمية التي تسببت فيها الحرب في إيران، ليتطلع الأميركيون إلى الرفع من مستوى إنتاج البترول الليبي من 1.5 مليون برميل حاليا إلى 3 ملايين برميل يوميا بحلول عام 2030. وهي آفاق دفعت بولس إلى إبرام المؤسسة الوطنية للبترول، اتفاقيات استكشاف وتنقيب جديدة مع كبرى الشركات الأميركية مثل شركتي "كونوكو فيليبس" و"شيفرون". ولا يفوت الإدارة الأميركية تعاون حكومة عبدالحميد الدبيبة في طرابلس معها في مجال مكافحة الإرهاب، حيث سلمت مؤخرا للولايات المتحدة المواطن الليبي مرعي صالح العرفي لمواجهة اتهامات بالتورط في الهجوم على مبنى القنصلية الأميركية في بنغازي عام 2012، بعد تسليم المواطن الليبي الزبير البكوش في فبراير/شباط الماضي لمواجهة الاتهامات نفسها بالمشاركة في الهجوم نفسه.

ستحمل الأسابيع والأشهر المقبلة ردا على تساؤلات كثيرة بشأن أزمة شديدة التعقيد، حيث يمكن لخطة بولس أن تتوصل إلى تحريك المياه الراكدة في ليبيا، والتي قد تستمر إذا ما واجهت هذه الخطة عوائق لم تكن محسوبة في معادلات واشنطن.

font change