الأزمة الليبية... تداخل ملف الثروة النفطية مع مسار التسوية السياسية

تقاطع ملفات النفط والسلاح والمفاوضات السياسية

أ. ف. ب.
أ. ف. ب.
مقاتل تابع للمجلس الوطني الانتقالي يحرس مصفاة الزاوية النفطية، 40 كيلومترا غرب طرابلس

الأزمة الليبية... تداخل ملف الثروة النفطية مع مسار التسوية السياسية

أثار توقيت نشر تقرير لجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا جملةً من التساؤلات حول مآلاته السياسية، لا سيما أن مضمونه تضمّن وقائع موثقة تتعلق بمخاوف جدية إزاء مستوى الحوكمة في قطاع النفط الليبي، وما يُرافقه من إشكاليات هيكلية تمس استدامة مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة مواردها السيادية.

وقد رصد التقرير الصادر في أبريل/نيسان 2025 مؤشرات تدل على أن مسؤولين رفيعي المستوى من مناطق مختلفة أسهموا في ترتيبات أفضت إلى تقييد وصول مؤسسات الدولة إلى جزء من عائداتها النفطية، وهو ما وصفه التقرير بأنه يُلقي بظلاله السلبية على المصلحة العامة ويُضعف قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية.

وأشار التقرير في هذا الإطار إلى مسؤولين رفيعين من القيادتين المدنية والعسكرية، في سياق تحليله لآليات التأثير في منظومة صنع القرار بالمؤسسة الوطنية للنفط. وخلص إلى أن هذه الترتيبات أسهمت في تعزيز قدرات بعض الأطراف المسلحة، فضلاً عن انعكاساتها السلبية على الموارد المتاحة للمؤسسات الحكومية وقدرتها على أداء مهامها.

كما تطرق التقرير إلى كيان تجاري نفطي وصفه بأنه أُنشئ بوصفه آلية لتيسير الوصول إلى عائدات النفط الخام، مُجسِّداً نموذجاً لترتيبات ذات منفعة متبادلة بين أطراف معنية في شرق البلاد وغربها، مع الإشارة إلى احتمالية توسع هذه الترتيبات وامتدادها في مراحل لاحقة.

في المقابل، أعربت المؤسسة الوطنية للنفط عن تحفظات جوهرية على بعض ما ورد في التقرير، مؤكدةً أن مراجعتها الأولية كشفت عن قصور في المنهجية التحليلية المعتمدة، وعدم استناد بعض الاستنتاجات إلى مصادرها الرسمية والفنية المختصة. وأعلنت المؤسسة أنها بصدد إعداد رد تفصيلي رسمي، تمهيدا لعقد مؤتمر صحافي يُوضح موقفها الكامل من المعلومات والأرقام الواردة في التقرير.

أ. ف. ب.
مصفاة نفط في مدينة رأس لانوف شمال ليبيا، 3 يونيو 2020

لم يقتصر الأمر على تمكين الجماعات المسلحة من توسيع نفوذها، بل أثّر في المصلحة العامة عبر تقويض استمرارية الدولة الليبية مباشرة



صدر تقرير لجنة الخبراء الأممية في مرحلة تشهد تحركات دبلوماسية أميركية مكثفة تجاه الملف الليبي، إذ تسعى واشنطن إلى تعزيز التقارب بين الأطراف الليبية الرئيسة، في إطار رؤية تهدف إلى توحيد السلطة التنفيذية وتجاوز حالة الجمود السياسي التي أفرزها تعثر المسار التشريعي في التوافق على قانون الانتخابات وتشكيل حكومة موحدة.

أ.ف.ب
رئيس الوزراء الليبي عبد الحميد دبيبة خلال اليوم الافتتاحي لقمة ليبيا للطاقة والاقتصاد في مركز طرابلس الدولي للمؤتمرات في طرابلس بتاريخ 24 يناير 2026

وفي هذا السياق، أعلن رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ترحيبه بقرار مجلس الأمن تجديد ولاية فريق الخبراء ونشر تقريره، مؤكداً دعمه للجهود الرامية إلى صون الاقتصاد الوطني وتعزيز الامتثال للقانون الدولي. كما طالب المنفي مجلس الأمن ولجنة العقوبات المنشأة بموجب القرار 1970 باتخاذ الإجراءات اللازمة في شأن ما ورد في التقرير، وفق معايير موضوعية وبعيداً عن أي انتقائية سياسية، بما في ذلك تفعيل آليات تجميد الأصول المنصوص عليها في الأطر القانونية الدولية المعمول بها.

غير أن موقف المنفي من التطورات الداخلية جاء متسماً بقدر من التعقيد؛ إذ أبدى في البداية إشارات إيجابية تجاه التعديل الوزاري الأخير الذي أجرته حكومة الوحدة الوطنية، ليُعقب ذلك بتساؤلات قانونية حول مدى انسجام هذه التعيينات مع الأطر الدستورية المعمول بها، لا سيما فيما يتعلق بإجراءات أداء اليمين الدستورية أمام الجهة المختصة. ويعكس هذا الموقف صعوبة التوازن بين متطلبات الشرعية الإجرائية من جهة، ومقتضيات الاستقرار السياسي في مرحلة انتقالية بالغة الحساسية من جهة أخرى.

أي محاولة للالتفاف على الأطر الرسمية عبر دعم كيانات عائلية أو مجموعات جهوية لن تؤدي إلا إلى تعميق الأزمة


في تعليقه على الجهود الأميركية التي يقودها كبير مستشاري الرئيس للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس، أكد المجلس الأعلى للدولة أن أي مسار للتسوية السياسية ينبغي أن يرتكز على المؤسسات الشرعية المعترف بها، وأن يستند إلى الأطر القانونية والدستورية المعمول بها، مشيراً إلى أن التسويات الدائمة لا تُبنى على ترتيبات فردية أو ثنائية بمعزل عن هذه المؤسسات، وأن تجاهلها قد يُفضي إلى تعقيد المشهد السياسي بدلاً من معالجته.

كما أبدى المجلس تحفظات جدية حيال بعض أساليب عمل البعثة الأممية للدعم في ليبيا، داعياً إياها إلى مراعاة الآليات المؤسسية المعتمدة في التعامل مع المجالس التشريعية والتنفيذية، وإلى توطيد الثقة مع الأطراف الليبية عبر الشفافية والتنسيق المسبق، بما يُعزز فاعلية دورها ويصون مبدأ الملكية الوطنية للعملية السياسية.

وأبدى المجلس الأعلى للدولة قلقه إزاء ما وصفه بمساعي بعض الأطراف الدولية للتأثير في مسار التسوية السياسية الليبية، داعياً إلى احترام إرادة الشعب الليبي وأولويته في تقرير مستقبله السياسي، ومؤكداً أن أي ترتيبات سياسية دائمة ينبغي أن تنبثق من توافق وطني حقيقي، يُعلي من شأن المؤسسات الشرعية ويُرسّخ مبدأ المساءلة الديمقراطية.

وفي السياق ذاته، أشار المجلس إلى أن غياب التوافق بين المجلسين التشريعيين حول ملف الانتخابات قد أسهم في تعقيد المشهد السياسي، ودفع بعض الأطراف الدولية إلى البحث عن مسارات بديلة خارج الإطار المؤسسي المعتمد، وهو ما يرى فيه المجلس تجاوزاً للأطر القانونية والدستورية المعمول بها.

رويترز
مسعد فارس بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، خلال مؤتمر لدعم السلام والازدهار في منطقة البحيرات الكبرى، في باريس، فرنسا، في 30 أكتوبر 2025.

في المقابل، أكدت البعثة الأممية للدعم في ليبيا أن إطلاق مجموعة الحوار المصغرة جاء استجابةً للجمود الذي أعاق تقدم المجلسين نحو تحقيق الخطوات الجوهرية لخريطة الطريق، لا سيما فيما يخص تشكيل اللجان المشتركة المعنية بالملف الانتخابي، مشيرةً إلى أن الهدف من هذه المسارات هو تشخيص عوامل التعطيل لا الاستعاضة عن المؤسسات الشرعية القائمة.

أما على الصعيد الدولي، فتواصل الولايات المتحدة انخراطها الدبلوماسي النشط في الملف الليبي، عبر مبادرة تسعى إلى تحقيق استقرار مؤسسي في البلاد، وهو انخراط تتقاطع فيه جهود المبعوثين الأمميين مع التوجهات الأميركية، مما يعكس طبيعة التنسيق الدولي الجاري حول ملف الحوكمة الليبية. غير أن ثمة تساؤلات مشروعة تُطرح حول مدى انسجام هذه المقاربة مع متطلبات التسوية الشاملة والمستدامة، التي تظل رهينةً بالدرجة الأولى بمدى استعداد الأطراف الليبية ذاتها للتوافق على أُسس واضحة للانتقال السياسي.

font change