هناك نوع من التغييرات والتحولات التي تطرأ على الدول، لا تكون معلنة، ليس لأن طبيعة التحولات سرية، بل لأن الدولة نفسها تكون منشغلة في تنفيذ التغيير أكثر من انشغالها بفهمه وشرحه، فتتبدل القوانين، وتتحرك الأموال، ويعاد ترتيب المؤسسات، بينما يبقى الخطاب العام واقفا عند الباب، كموظف استقبال لم تصله المذكرة التي تقول إن الفندق كله تغير.
الأردن اليوم يعيش هذا النوع من التحول بالضبط، فالدولة تتحرك فعليا من نموذج إلى آخر، وربما تغير بالتدريج بعضا من فلسفتها القديمة في الاقتصاد والسياسة والإدارة، لكنها لم تقل للأردنيين حتى الآن، وبجملة واحدة واضحة ومفهومة، ما الذي ينتهي في بلادهم، وما الذي يبدأ.
المشكلة هنا ليست في غياب الخطط، على العكس تماما، الخطط موجودة ومتخمة بالتفاصيل، وفي يناير/كانون الثاني 2026 أطلقت الحكومة الأردنية الراهنة برئاسة الدكتور جعفر حسان برنامجها التنفيذي للأعوام 2026–2029، متضمنا 392 مشروعا، مع حضور واسع للشراكة مع القطاع الخاص، ضمن مسارات التحديث الاقتصادي والإداري والسياسي، وهذه ليست خطة حكومة بالمعنى التقليدي، بل محاولة لإعادة هندسة واسعة للدولة ووظائفها وعلاقتها بالاقتصاد والمجتمع.
لكن الأرقام، مهما كانت صحيحة، لا تروي الحكاية وحدها، والجداول مهما كانت دقيقة لا تشرح للناس لماذا يجري كل هذا، ولا تقول لهم أين سيكون موقعهم في الصورة الجديدة، ومن سيدفع كلفة الانتقال، ومن سيجني ثماره، ومتى يمكن للمواطن الذي يسمع عن مئات المشاريع أن يرى مشروعا واحدا منها في راتبه أو قريته أو مدرسة ابنه أو فرصة العمل التي ينتظرها.
النموذج الأردني القديم كان واضحا حتى في عيوبه، فهناك دولة مركزية هي رب العمل الأكبر، وكذلك المستثمر الأكبر، وهي الموزع الأكبر للوظائف والخدمات والمكافآت، وكانت العلاقة معها تمر في الغالب من خلال الوظيفة العامة والعشيرة والنائب والواسطة، وهي أدوات لم تكن مجرد تشوهات عابرة في النظام، بل كانت جزءا أصيلا من طريقة إدارته للمجتمع وحفظ توازناته.
لكن هذا النموذج لم يعد قابلا للاستمرار كما كان، فالقطاع العام لم يعد قادرا على توظيف الأعداد نفسها، والدولة لم تعد قادرة على تمويل شبكات الرعاية القديمة، والاقتصاد لم يعد يسمح بتأجيل القرارات الصعبة إلى ما لا نهاية، ولذلك تتحرك الدولة، بوعي أو تحت ضغط الضرورة، نحو نموذج مختلف، تكون فيه جهة منظمة ومحفزة وشريكة للقطاع الخاص، لا رب عمل لكل الأردنيين.
هذا التحول ليس قرارا اقتصاديا فنيا، بل إعادة كتابة غير معلنة للعقد الاجتماعي الأردني، والمواطن الذي اعتاد أن ينتظر الوظيفة من الدولة يطلب منه اليوم أن يخلق فرصته في السوق، والمحافظة التي اعتادت أن تطلب مشاريعها من المركز يطلب منها أن تصنع تنميتها محليا، والمؤسسة التي اعتادت إدارة مواردها بمنطق الاعتمادات السنوية يطلب منها أن تقيس الأداء والنتائج.
السياسة يعاد تصميمها، والاقتصاد يعاد توجيهه، والإدارة المحلية يعاد بناؤها، والخدمات تتحول إلى الرقمنة، لكن المواطن يستقبل كلا ملف منها بوصفه خبرا منفصلا، من دون خيط واضح يجمع كل ذلك في قصة واحدة
كل ذلك قد يكون صحيحا وضروريا، لكن الضرورة لا تعفي الدولة من الشرح، بل تجعل الشرح أكثر إلحاحا، لأنك لا تستطيع أن تنهي عقدا اجتماعيا قديما من دون أن تعرض على المجتمع ملامح العقد الجديد، ولا تستطيع أن تطلب من المواطن تغيير سلوكه بينما تواصل مؤسسات الدولة التعامل معه بالأدوات القديمة نفسها.
المسار السياسي يقدم صورة أخرى للتحول الصامت، فالأردن انتقل بقانون الانتخاب إلى تخصيص 41 مقعدا للقوائم الحزبية في مجلس النواب العشرين، بنسبة تقارب 30 في المئة، مع مسار معلن لرفع النسبة في المجالس المقبلة، والغاية المعلنة هي الانتقال من العمل الفردي إلى العمل الجماعي البرامجي، وصولا في نهاية الطريق إلى أغلبية حزبية وحكومات برلمانية.
لكن السياسة لا تولد بمجرد تخصيص المقاعد، كما لا تنشأ الأحزاب بمجرد إصدار قانون حديث للأحزاب، فالدولة وإن كانت تريد الانتقال إلى العمل الحزبي، لكن كثيرا من مؤسساتها ما يزال يتعامل مع السياسة باعتبارها نشاطا مقلقا يجب ضبطه، وهي رغم أنها تريد أحزابا قوية، لكنها تريدها في الوقت نفسه هادئة ومهذبة وقليلة الاشتباك، وهي معادلة تشبه الرغبة في تربية أسد منزلي، يحتفظ بشكله المهيب لكنه لا يزأر ولا يغادر القفص.
إن التحول الحزبي الحقيقي يعني أن تتغير طريقة إنتاج النخب، وأن يصبح الوزير والحكومة والبرنامج الاقتصادي موضوعا للنقاش والمنافسة والمحاسبة، لا أن نضع أسماء حزبية جديدة فوق البنية السياسية القديمة، فالأحزاب ليست ديكورا انتخابيا، والحكومة البرلمانية ليست محطة احتفالية في نهاية طريق التحديث، بل تغيير عميق في توزيع المسؤولية والسلطة، وهذا تحديدا ما لم تشرحه الدولة بما يكفي، وربما كان صعبا على الهضم عند مؤسسات تم تكليفها بهندسة الأحزاب!
حتى مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026، الذي يناقشه البرلمان حاليا، لا ينبغي قراءته بوصفه قانون بلديات آخر، فهو يتحدث عن فصل أوضح بين المجالس المنتخبة والأجهزة التنفيذية، وتعزيز الدور التنموي والاستثماري للبلديات، ونشر تقارير الأداء المالي والإداري، وتوسيع المشاركة المجتمعية، والتحول الرقمي، وهذه كلها ملامح لإعادة توزيع المسؤولية بين المركز والمحافظات، لا مجرد إعادة ترتيب للمقاعد في المجالس المحلية.
المفارقة أن هذه التحولات– الضخمة فعلا- كلها تجري في وقت واحد، السياسة يعاد تصميمها، والاقتصاد يعاد توجيهه، والإدارة المحلية يعاد بناؤها، والخدمات تتحول إلى الرقمنة، لكن المواطن يستقبل كلا ملف منها بوصفه خبرا منفصلا، قانون هنا، ومشروع هناك، وتصريح رسمي في مكان آخر، من دون خيط واضح يجمع كل ذلك في قصة واحدة.
من هنا فإن الحكومة الحالية، باعتقاد كثيرين، هي التعبير الأكثر وضوحا عن هذه المرحلة الجديدة، فهي حكومة تنفيذ وبرامج وجولات ميدانية وجداول زمنية، وهذه ميزة لا يجوز إنكارها، خصوصا بعد سنوات كان التنفيذ فيها ضيفا خفيفا على الخطط الثقيلة، لكن الأردن ليس مخططا هندسيا فقط، والمجتمع الأردني ليس صفحة "إكسل"، والمزاج العام ليس خانة يمكن تلوينها بالأخضر بعد إنجاز المهمة.
أخطر ما في التحولات الصامتة أنها إن نجحت فالناس لا تعرف من صنعها ولماذا، وإن تعثرت فسيعتقدون أنها كانت مؤامرة عليهم، ولذلك فإن شرح المرحلة ليس وظيفة إعلامية ملحقة بالحكومة، بل جزء أصيل من الحكم نفسه
نحن اليوم أمام حسابات لا تعالجها الأرقام، وهي حسابات الثقة والعدالة والشعور بالمشاركة، فقد تنجز الحكومة طريقا أو مستشفى أو مشروعا استثماريا، لكنها تخسر أثره السياسي إذا شعر الناس أن القرار كان إنزالا باراشوتيا من مكان بعيد، أو أن أحدا لم يسألهم عما يحتاجونه، أو أن لغة الدولة لا ترى إلا المشروع ولا ترى المواطن الذي يفترض أن يكون المشروع من أجله.
الدولة التي لا تشرح التغيير تترك الآخرين يشرحونه نيابة عنها، وحينها وفي الشرح الجديد الذي يحمل الغضب على منصات الاستهداف المدروس يبدأ التضليل، فيصبح الإصلاح مؤامرة، والاستثمار بيعا للأصول، وإعادة الهيكلة تسريحا للموظفين، والرقمنة وسيلة لتعقيد الخدمة، والتحديث السياسي لعبة لتجميل المشهد، وكل هذا ليس لأن الأردنيين يرفضون الإصلاح بالضرورة، بل لأن الفراغ في الرواية لا يبقى فارغا لمدة طويلة، ومن لا يملأه بالمعلومة يملأه الناس بالشك.
لهذا لا يحتاج الأردن إلى حملة علاقات عامة جديدة تتحدث عن الإنجازات، فالإعلان عن الإنجاز ليس هو شرح التحول، كما لا يحتاج إلى مزيد من المؤتمرات الصحافية التي يقرأ فيها الوزير الأرقام المكتوبة أمامه ولا أن يتباهي بصور استعراضية أهم عنده من ملفات استثمارية هي صميم عمله، الأردن يحتاج إلى خطاب سياسي واضح يقول للأردنيين إن النموذج القديم انتهى أو يقترب من نهايته، وإن الدولة الجديدة لن تكون جهة توظيف ورعاية شاملة كما كانت، لكنها تلتزم في المقابل بالعدالة وسيادة القانون والخدمات الجيدة وتكافؤ الفرص.
ويحتاج هذا الخطاب نفسه إلى قدر من الصراحة حول كلفة التغيير، فكل تحول له رابحون وخاسرون، وله أخطاء وتراجعات، وليس مطلوبا من الحكومة أن تدعي العصمة، بل عليها وجوبا أن تشرح لماذا اتخذت القرار، وما البدائل التي درستها، ومن سيتضرر، وكيف ستعالج الضرر، ومتى يمكن محاسبتها على النتيجة.
الأردن يتغير فعلا، وباتساع ربما لم يشهده منذ سنوات طويلة، لكن أخطر ما في التحولات الصامتة أنها إن نجحت فالناس لا تعرف من صنعها ولماذا، وإن تعثرت فسيعتقدون أنها كانت مؤامرة عليهم، ولذلك فإن شرح المرحلة ليس وظيفة إعلامية ملحقة بالحكومة، بل جزء أصيل من الحكم نفسه.
في المحصلة، فإن المطلوب ليس أن تكثر الدولة من الحديث، فهي أصلا تتحدث كثيرا واستعراضات بعض وزرائها صارت ثرثرة بصرية، لكن صار مطلوبا من الدولة أن تقول شيئا واحدا متماسكا، فالأردنيون لا يحتاجون إلى قائمة جديدة بالمشاريع، بل إلى معرفة البلد الذي سيستيقظون فيه بعد اكتمالها، وما إذا كانوا سيكونون مواطنين فيه، أم مجرد متلقين لنشرة إنجازات طويلة.