في إحدى شذرات كتابه "رولان بارت بقلم رولان بارت"، وتحت عنوان: "ما يعيبه بريشت على (ر.ب)"، يأخذ رولان بارت على "ر.ب" كونه "يبدو دائما يلتمس حصر السياسة في حدود معينة"، وهو يستشهد على ذلك بما يفترض أن بريشت قد كتبه "من أجله هو بالذات"؟ فيورد هذا المقطع المأخوذ من "كتابات في السياسة والمجتمع" حيث يكتب بريشت:
"أود، على سبيل المثال، أن أعيش على قليل من السياسة، هذا يعني أنني لا أريد أن أكون فاعلا سياسيا، لكن هذا لا يعني أيضا أنني أريد أن أكون موضوع كثير من السياسة. والحال أنه يجب على المرء أن يكون إما موضوعا للسياسة أو فاعلا سياسيا، ولا وجود لخيار آخر. لا يتعلق الأمر بأن لا يكون المرء لا هذا ولا ذاك، أو أن يكون كليهما معا، وبالتالي يبدو أن لا محيد عن ممارسة السياسة، وليس لي أن أحدد أنا أي قسط من السياسة ينبغي علي أن أمارسه. وفضلا عن ذلك، فمن الممكن أن حياتي برمتها ينبغي لها أن تكون مرصودة للسياسة، بل أن يضحى بها من أجلها".
يرد بارت مدافعا عن نفسه بأن "مرتعه هو اللغة، ففي كنفها يقبل أو يرفض، وفي غمارها يكون جسده قادرا أو غير قادر. فهل يعني ذلك أن عليه أن يضحي بحياته اللغوية في سبيل الخطاب السياسي؟ بوده هو كذلك، أن يكون فاعلا سياسيا، لكن، ليس أن يكون "بوقا" سياسيا ("البوق" هو المتكلم الذي يدع خطابه يتدفق فيسرده، وفي الوقت ذاته يضع معالمه ويوقعه). وبما أن (ر.ب) لا ينجح في أن يفصل الواقع السياسي عن خطابه العام المكرور، فإن السياسي يظل عنه مستبعدا".
على هذا النحو يرجع بارت، نفوره من الانخراط في النضال السياسي المباشر إلى العامل اللغوي، وهو يرى أنه إن لم يكن قد انضوى سياسيا، فإن ذلك يعود لأسباب شخصية مردها موقفه من اللغة، فهو يكره النضال السياسي المباشر لأنه "لا يحب لغة ذلك النضال". ذلك أن هذه اللغة هي، بامتياز، لغة الرتابة والاجترار. فرغم أن السياسة تبدو، في الظاهر، متحولة متقلبة، منطوية على رغبة ملحة في مواكبة الأحداث المستجدة، إلا أنها، في نهاية الأمر، تلوك الموضوعات ذاتها، وتستعمل العبارات نفسها، بل الاستعارات عينها.
ذلك أن "الخطاب السياسي ليس وحده هو الذي يتكرر ويعمم وينهك: إذ إنه حالما يقع تحول للخطاب، تترتب عن ذلك ترجمة مبتذلة مع ما يساوقها من تلك الجمل الراسخة". وإذا كانت هذه الظاهرة العامة تبدو لـ"ر.ب" بخاصة مما لا يطاق في حالة الخطاب السياسي، فلأن التكرار "يبلغ مداه الأقصى حيث تزعم السياسة أنها العلم الأساسي بالواقع، فنضفي عليها وهما، قدرة خارقة، وهي أن تقهر اللغة وتختزل كل ثرثرة إلى بقاياها الواقعية، فكيف نسمح إذاك، ومن دون حداد، أن يدخل السياسي في معمعة اللغة، وينصاع للبلبلة وسوء التفاهم؟".
لكن، برغم ذلك، وبناء على هذا الاستبعاد، يمكن لـ"ر.ب" أن ينسج المعنى السياسي لما يكتب: "فكما لو أنه كان الشاهد التاريخي على تناقض بعينه: تناقض فاعل سياسي حساس متعطش وصموت (لا ينبغي الفصل بين هذه الكلمات)". إنه إذن فاعل "سياسي"، لكنه فاعل ضد "لغة السياسة".
قدرات التحرر التي ينطوي عليها الأدب لا تتوقف على الشخص المدني، ولا على الالتزام السياسي للكاتب، الذي لا يعدو أن يكون إنسانا بين البشر
يرى صاحب "ميثولوجيات" أن فرص نجاة الخطاب السياسي من ورطته فرص نادرة: "فلكي لا يتورط الخطاب السياسي في التكرار، لا بد من شروط قلما تتحقق: فإما أن يؤسس هو نفسه ضربا جديدا من نسج الخطابات ومنطقها، وتلك هي الحال بالنسبة إلى ماركس، وإما أن ينسج المؤلف بكيفية أكثر تبسيطا، وبناء على تعقل مبسط للغة، أي بواسطة العلم بمفعولاتها الخاصة، أن يؤسس نصا سياسيا يكون في الآن نفسه صارما وحرا، ويتحمل علامة فرادته الجمالية كما لو كان يخترع ما قيل وينوعه، وهذه حال بريشت في "كتابات في السياسة والمجتمع".
ذلك أنه من الأمور المفارقة، أن اللغة، التي تظهر هنا سدا منيعا يحول دون الإفلات من قهر السياسة، هي القناة التي يمر منها المثقف للتحرر من السياسة و"أمراضها" في كل تجلياتها. وهذا ما يؤكده بارت نفسه حينما يجزم أن نضاله كمثقف لا يمكن أن ينصب إلا على اللغة. فاللغة بالنسبة إليه سم وترياق. اللغة هي سبب نفوره من النضال السياسي المباشر، لكنها، في الوقت ذاته، وسيلته كمثقف للمقاومة، وهي مجال نضاله. فإن كانت اللغة هي مأوى النماذج المكرورة، وملجأ المحافظة والتقليد والجمود، فلن يتبقى له سوى "مراوغة اللغة"، ذلك أن "قدرات التحرر التي ينطوي عليها الأدب لا تتوقف على الشخص المدني، ولا على الالتزام السياسي للكاتب، الذي لا يعدو أن يكون إنسانا بين البشر، كما أنها لا تتوقف على المحتوى المذهبي لعمله، وإنما على ما يقوم به من خلخلة للغة".