إرث غوتيريش... عالم أقل إنسانية

إرث غوتيريش... عالم أقل إنسانية

استمع إلى المقال دقيقة

يرحل أنطونيو غوتيريش مطلع العام المقبل من سُدّة الأمانة العامة للأمم المتحدة، بعد دورتين، أقام فيهما عقداً من الزمن في موقع الأمين بدأت في أول يناير/كانون الثاني 2017، وهو عقد اتّسم بعمق الصراعات وتعددها في العالم، ما جعل الأمم المتحدة تواجه أقسى حقبها السياسية منذ تأسيسها عقب الحرب العالمية الثانية، وبات العالم أقل إنسانية واهتماما بنتائج الصراعات.

سبق خبرته في موقع الأمين العام للأمم المتحدة أن شغل غوتيريش مواقع سياسية وطنية في بلده البرتغال، وفي المنظمات الدولية وأبرزها موقع المفوض السامي لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة بين عامي 2005-2015 وقبلها رئيس المجلس الأوروبي، والأممية الاشتراكية، ورئاسة حكومة البرتغال بين عامي 1995-2000.

تفوق غوتيريش في صغره كأفضل طلاب البرتغال في الثانوية عام 1965، ودرس في المعهد العالي للتكنولوجيا في الجامعة التقنية في لشبونة وتخرج منها عام 1971، لكنه لم يطل المقام في الدرس الجامعي في تخصص الفيزياء والهندسة، إذ قطع مع الحياة الجامعية ومختبرات الهندسة والفيزياء مبكراً، وتركها مغادراً عالم الأكاديميات إلى عالم السياسية مع "الحزب الاشتراكي الديمقراطي" ليصل إلى مواقع تمثيلية للحزب بدأت عام 1976 بعضوية مجلس الجمهورية، وتوالى صعوده حتى بات عام 1992 أمينا عاما للحزب الاشتراكي حتى عام 2002.

تعددت مواقع غوتيريش الحزبية، التي أوصلته لرئاسة الوزراء، لينجز الكثير من الملفات الوطنية فيما يخص ضبط الإنفاق والخصخصة وإحكام قبضة الحكومة على الميزانية، وآمن بالحوار الوطني للحد من العجز المالي، وزاد الإنفاق المالي على الرفاهية، فنال بذلك تأييد البرتغاليين. لكن خطوته الأهم في عالم السياسة الدولية كانت في عمله مفوضاً أمميا لشؤون اللاجئين في عهد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون.

اليوم بات رحيل غوتيريش قريباً، فالمناصب مواقيت وآجال، لكنه خلال عقد من الزمن استطاع أن يعيد للمنظمة نوعاً من التماسك أو وقف الانهيار، خاصة في ظل ولايتين للرئيس الأميركي ترمب والذي لا يُعير المنظمة ومجلس الأمن وبقية مؤسساتها كبير اهتمام، إذ تضخم النفوذ الأميركي فوق كل المجالس الأممية، وبات الصراع لا ينتهي في جلسات مجلس الأمن التي فقدت قيمتها بسبب الهيمنة الأميركية، كما أن الأمم المتحدة كمؤسسة لم يبق لها إلا الاجتماعات السنوية الدورية التي تحولت لمنصة خطابية للتسابق البلاغي، وبات العالم يشهد خلالها التنظير للأخلاق والسياسة ونبذ الحروب والحث على التنمية. وفي الواقع كانت الفجوات تزيد أكثر وأكثر بين الواقع والوعود الأممية، والحروب تتوالد بصيغ وأشكال جديدة مغايرة للزمن الذي ولدت فيه المنظمة الأممية.

شهدت ولايته الأولى تحديات كبيرة، أبرزها الاحتجاجات في العالم العربي وانفجار أزمات اللجوء، ووباء كورونا ثم حرب أوكرانيا، وشهدت ولايته الثانية حرب أوكرانيا وتعاظم تحديات الهجرة إلى أوروباـ وبداية حرب غزة التي عرّت الغرب والقيم التي يدعو إليها.

حاول غوتيريش عبر دروتين استعادة الجهد الدولي فيما يخص أزمة المناخ العالمي، واستطاع أن يعيد اهتمام المنظمة بنطاق أعمالها في بؤر الأزمات، وهو أمر لم يقم به سلفه بان كي مون


حاول غوتيريش عبر دروتين استعادة الجهد الدولي فيما يخص أزمة المناخ العالمي، واستطاع أن يعيد اهتمام المنظمة بنطاق أعمالها في بؤر الأزمات، وهو أمر لم يقم به سلفه بان كي مون الذي كان مكثرا من التصريحات السياسة والإعلامية دونما أثر، على عكس غوتيريش المُقل في الظهور الإعلامي والتصريحات، ودفع أيضاً بتمثيل المرأة في المواقع والوظائف داخل المنظمة في سياق عملية إصلاح داخلي لها.

هذا الإرث سيكون بحاجة للاكتمال مع خلفه الذي سيأتي بعده، واليوم يتنافس على الموقع سبعة مترشحين، أبرزهم كارولين رودريغز  وزيرة الخارجية السابقة لدولة غويانا التي تقع في شمال قارة أميركا الجنوبية، وهي الأبرز بين المترشحين، وحازت النسبة الأكبر في تأييد من حضروا المناظرة التي جرت مؤخراً  في مقر الأمم المتحدة حيث حصلت على 46 في المئة فيما تلتها رئيسة تشيلي السابقة السيدة ميشيل باشيليت بنسبة 14 في المئة.

لا تملك رودريغز  خبرة كبيرة في السياسة الدولية، إذ بدأت حياتها بالعمل في شركة أخشاب عام 1993، ثم لأجل منحتها الدراسية، كان عليها العمل في مجتمعات السكان الأصليين، واهتمت بدراسة الأثر الاجتماعي في تلك المجتمعات، حتى تخرجت وعينت عام 2001 وزيرة لشؤون السكان الأصليين، وأُعيد تعيينها في المنصب بعد الانتخابات العامة لعام 2006، واستمرت حتى يناير/كانون الثاني 2008. وفي أبريل/نيسان منه، أصبحت وزيرةً للخارجية، واستمرت في منصبها حتى خسارة "حزب الشعب التقدمي" الذي كانت تنتسب إليه في الانتخابات العامة في مايو/أيار 2015.

وفي أغسطس/آب 2017، عُيّنت مديرةً لمكتب الاتصال التابع لمنظمة الأغذية والزراعة مع الأمم المتحدة في جنيف، واستمرت في هذا المنصب حتى عام 2020 حين أصبحت المندوبة الدائمة لبلادها لدى الأمم المتحدة في نيويورك. وفي 15 يونيو/حزيران 2026، رشّحتها حكومة غويانا لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة في انتخابات عام 2026.

لا توفر السيرة الذاتية للسيدة رودريغز خبرة في نزع الأزمات ولا وقف الحروب، تلك مهمة لم تعد المنظمة قادرة على وقفها، بل إن إمكانية وصولها لموقع الأمين العام، تطرح أملاً بخروج الموقع من هيمنة الدول الكبيرة وصراع المعسكرات الحاكمة للعالم، وتغييراً في وجه المنظمة ومجالسها المنبثقة عنها، والتي شاخت مبكراً وفشلت في كثير من اختبارات النجاح لوأد الصراعات في العالم، وأهمها التي وطنها الغرب ومنحها الإقامة في الشرق الأوسط بسبب زرع إسرائيل فيه.

font change