إسرائيل... "الأقلية" التي لم تعد بحاجة للفوز في صناديق الاقتراع

"اليمين الاستيطاني" في قلب الدولة

رويترز
رويترز
مستوطنون إسرائيليون يشاركون في جولة أسبوعية داخل مدينة الخليل، في الضفة الغربية المحتلّة، بتاريخ 11 يوليو 2026

إسرائيل... "الأقلية" التي لم تعد بحاجة للفوز في صناديق الاقتراع

عندما توفي الحاخام تسفي يهودا كوك عام 1982، لم يكن قد شغل منصبا سياسيا قط، ولم يقد حزبا، ولم يفز بمقعد في الكنيسيت. ومع ذلك، قلما ترك شخص أثرا في السياسة الإسرائيلية يوازي أثره.

أمضى معظم حياته في إدارة معهد ديني في القدس، حيث كان يلقن عددا قليلا من الطلاب فكرة ورثها عن والده، مفادها أن تأسيس إسرائيل لم يكن مجرد حدث سياسي، بل مرحلة في "مسار إلهي"، وأن حكم اليهود على كامل ما وصفه بـ"أرض إسرائيل" واجب ديني، لا سياسة قابلة للتفاوض.

على مدى عقود، لم يكن أحد تقريبا خارج ذلك الفصل الدراسي يصغي إليه. ثم انتصرت إسرائيل في حرب عام 1967، وخرج طلابه ومريدوه لينفذوا كل ما تعلموه. أسسوا حركة الاستيطان، ثم أصبحوا بدورهم معلمين لأجيال ستنتمي لاحقا إلى الصهيونية الدينية المتطرفة.

عاشت التعاليم المتطرفة بعد رحيل معلمها، وفي غضون جيل واحد وصلت إلى طاولة مجلس الوزراء.

واليوم، لا يملك وزير المالية بتسلئيل سموتريتش سلطة على الموازنة فحسب، بل يتولى أيضا صلاحيات الإدارة المدنية في الضفة الغربية المحتلة، وهي صلاحيات تتيح تنفيذ أيديولوجيا الاستيطان في صورة إجراءات بيروقراطية اعتيادية. ولا يجادل سموتريتش ورفاقه المتطرفون بأن الضم خيار تمليه المصلحة السياسية، بل يقول إنه "استحقاق يوجبه سند توراتي".

اقرأ أيضا: إسرائيل... بين اليوتوبيا السياسية والديستوبيا الجديدة

أ.ف.ب
وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، يحمل خريطة لمنطقة قرب مستوطنة معاليه أدوميم، وهي ممر أرضي يُعرف باسم E1، خارج القدس في الضفة الغربية المحتلة، في 14 أغسطس

عاشت التعاليم المتطرفة بعد رحيل معلمها، وفي غضون جيل واحد وصلت إلى طاولة مجلس الوزراء

وينحدر وزير التراث عميحاي إلياهو من أسرة ذات مكانة حاخامية رفيعة. فقد كان جده حاخاما أكبر سابقا لليهود السفارديم ومرجعية دينية متطرفة بارزة عارضت علنا الانسحاب من غزة عام 2005. أما والده، فهو حاخام أكبر لا يزال في منصبه، وواجه انتقادات متكررة بسبب تصريحات عنصرية بحق المواطنين العرب في إسرائيل.

ولم يرث إلياهو توجيها محددا، بل ورث وضعا راسخا يقوم على افتراض أن للسلطة الدينية قولا ملزما في تحديد الأماكن التي يجوز للدولة الانسحاب منها وتلك التي لا يجوز لها الانسحاب منها.

وهذا ما يجعل اللحظة الراهنة مختلفة. فلم يعد الموقف المتطرف صرخة تصدر من مقطورة على إحدى تلال الضفة الغربية المحتلة من مجموعة من المستوطنين المتطرفين، بل باتت الحكومة القائمة بقيادة بنيامين نتنياهو تصوغه وتموله وتنفذه.

اقرأ أيضا: الديكتاتورية الذكية في إسرائيل

إذا كنت تؤمن بأن التسوية "خطيئة"، فلن تغير أي حجة رأيك. وعندما يدير الوزارات أشخاص يفكرون بهذه الطريقة، تفقد أدوات الرقابة المعتادة في النظام الديمقراطي- من حكم قضائي ونتيجة انتخابات وتصويت داخل مجلس الوزراء- وظيفتها كضوابط، وتتحول إلى عقبات.

ولم تعد الصهيونية الدينية المتطرفة بحاجة إلى الوزارات كي تحافظ على موقعها. فقد ترسخت افتراضاتها في الثقافة الأوسع، وفي ما تدرسه مدارسها، وما يُقال للجنود إنهم يدافعون عنه، وما يشعر شريحة متزايدة في المجتمع الإسرئيلي اليوم بأنه بوسعها قوله جهرا. والتحول في غضون الأعوام الثلاثة الماضية بعد هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول لافت للنظر، فالمواقف التي كانت تميز سابقا بوصفها دينية أصبحت الآن تعد ببساطة مواقف "وطنية"، لمن يؤيدها من التيار العلماني أو اليساري الصيهوني، وأصبح الاعتراض عليها يقرأ باعتباره أقرب إلى عدم الولاء منه إلى المعارضة.

أ.ف.ب
جنود إسرائيليون يقومون بدورية داخل أحد الأزقة، في جزء من السوق بالبلدة القديمة في نابلس، شمال الضفة الغربية المحتلّة، بتاريخ 9 أغسطس 2026

نداف فايمان، المدير التنفيذي لمنظمة "كسر الصمت"، سجل شهادته عن خدمته العسكرية في الجيش الإسرائيلي، عندما حاورته. وتضم منظمة "كسر الصمت" جنودا إسرائيليين سابقين خدموا منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وقد أخذوا على عاتقهم فضح الواقع القاسي لحياة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، من خلال تقديم الشهادات العلنية وتحفيز نقاش عام حول الثمن الباهظ الذي يُدفع في ظل واقع يُرغم فيه جنودٌ يافعون على مواجهة سكان مدنيين بشكل يومي، والتورط في ممارسات ترقى إلى جرائم حرب.

يقول فايمان: "على مدى الأربعين عاما الماضية، سعى التيار الاستيطاني المتطرف إلى السيطرة على مؤسسات الدولة لتحقيق مشروع الضم. وقد نجح هذا التيار في التغلغل في المشهد السياسي، مستحوذا على وزارات عدة، منها وزارة التعليم. ومع ذلك، واجه صعوبات في فرض حضوره داخل الجيش الإسرائيلي، بسبب نمط الحياة المعزول للمستوطنين، وعدم وصولهم إلى الرتب العليا.

"وللتغلب على هذا، أنشأ المستوطنون أكاديميات ما قبل الخدمة العسكرية، تُعنى بإعداد الشباب لأدوار قيادية داخل الجيش. واليوم، هناك ما يقارب 150 من هذه الأكاديميات، معظمها ذات توجه يميني متطرف. وتشير التقارير إلى أن أكثر من 50 في المئة من الضباط المقاتلين الجدد في الجيش الإسرائيلي يتخرجون منها، رغم أن المستوطنين لا يمثلون سوى أقل من 10 في المئة من السكان. هذا التوجه ينعكس أيضا في صفوف كبار الضباط، حيث يشغل الكثير منهم مواقع حساسة، ما يدل على تحول أيديولوجي عميق داخل المؤسسة العسكرية".

فالمواقف التي كانت تميز سابقا بوصفها دينية أصبحت الآن تعد ببساطة مواقف "وطنية"، لمن يؤيدهم من التيار العلماني أو اليساري الصيهوني، وأصبح الاعتراض عليها يقرأ باعتباره أقرب إلى عدم الولاء منه إلى المعارضة


وكتب إليعازر دون يحيى، أستاذ الدراسات السياسية في جامعة بار إيلان وأحد أبرز الباحثين في الدين والسياسة في إسرائيل، في أبحاثة العلمية عن الكيفية التي استطاعت بها مجموعة صغيرة من المتدينين المتطرفين أن تتحدث باسم جماعة أكبر بكثير.

وقال إن فئة ظهرت داخل الصهيونية الدينية سماها "الحريديم القوميين"، أي اليهود المتشددين دينيا ذوي التوجه القومي، وهم أشد التزاما دينيا وأكثر تشددا وتطرفا سياسيا من المجتمع المحيط بهم. وكتب أنهم "أقلية داخل مجتمع الصهيونية الدينية، لكنهم اكتسبوا موقعا مؤثرا داخل هذا المجتمع من خلال عملهم في مجال التعليم".

كتب دون يحيى عن أقلية تمارس نفوذها من الهامش عبر التعليم. لكن الواقع تجاوز هذا الوصف، على الأقل خلال السنوات الثلاث الماضية.

انظر إلى ما تسيطر عليه هذه الأقلية اليوم. تحدد وزارة المالية الموازنة، ثم تتدفق الأموال إلى المستوطنات ومدارس الصهيونية الدينية المتطرفة والشبكات الأيديولوجية التي تسندهما. والوزارة المسؤولة عن الشرطة في يد المعسكر نفسه الذي ينتمي إليه المستوطن إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي، الذي يتزعم حزب "القوة اليهودية" المعادي للعرب، والذي اتهم في حياته السياسية بتكوين منظمة إرهابية والتحريض على العنف من بين عشرات التهم الأخرى.

اقرأ أيضا: الحديث عن الحُب أمر غير طبيعي في القدس

ويعاد تشكيل صف الضباط في الجيش تدريجيا تحت تأثير هذه الأيديولوجيا المتطرفة. وفي المحكمة العليا، يشغل قاض من داخل حركة الصهيونية الدينية المتطرفة منصب نائب الرئيس. وليست هذه مجرد مواقع تتيح التأثير في السياسات، بل أصبحت آليات الدولة نفسها.

قد تستمر الأرقام في استطلاعات الرأي الإسرائيلية في وصفهم بأنهم أقلية. لكن أقلية تمسك بالموازنة والشرطة والمحكمة ومفردات سياسية مهمة، لا تكون- بأي معنى حقيقي- على الهامش.

المواقف التي كانت تميز سابقا بوصفها دينية أصبحت الآن تعد ببساطة مواقف "وطنية"، لمن يؤيدها من التيار العلماني أو اليساري الصيهوني، وأصبح الاعتراض عليها يقرأ باعتباره أقرب إلى عدم الولاء منه إلى المعارضة

ثمة بعد نفسي يفسر لماذا يستعصي هذا النوع من السياسة على التفاوض، وقد وصفه عالم النفس الاجتماعي فيليب تيتلوك بدقة. ففي دورية "Trends in Cognitive Sciences"، يعرف تيتلوك القيم المقدسة بأنها القيم التي تتعامل معها جماعة ما باعتبارها "ذات دلالة متعالية تحول دون المقارنات أو المقايضات، بل وحتى دون أي مزج بينها وبين القيم الدنيوية".

والأرض التي ينظر إليها على هذا الأساس لا يصبح التخلي عنها مسألة كلفة عقارية، بل يصبح التفكير في التخلي عنها أمرا لا يمكن تصوره. وكما يشير تيتلوك، فإن عبارة "لا تفعل هذا لأنني أقول لك ذلك"، أقل تأثيرا من عبارة "لا تفعل هذا لأن الله يقول لك ذلك".

اقرأ أيضا: ماذا يعني تنديد يهودي إسرائيلي بالعنف في غزة؟

نتائج الانتخابات مضللة. ففي عام 2022، حصلت الصهيونية الدينية على عدد من المقاعد جعل نتنياهو عاجزا عن تشكيل ائتلاف من دونها. أما اليوم، فتظهر استطلاعات الرأي في إسرائيل أن قائمة سموتريتش تكافح عند عتبة الحسم البالغة 3.25 في المئة أو دونها، بعدما عاقبها المتطرفون العلمانيون، من اليمين واليسار، أساسا بسبب دعمها إعفاء الحريديم من التجنيد. وبالمقياس الانتخابي وحده، تبدو حركة الصهيونية الدينية المتطرفة في تراجع.

لكن هذا التراجع لا يظهر على أي مستوى آخر. فمنذ بدء حرب غزة التي تحولت إلى إبادة جماعية، ازداد تأييد هذه الأيديولوجيا رسوخا وتصلبا بين الإسرائيليين المنتمين إلى التيار القومي الديني.

وهنا تكمن المفارقة. فالحركة التي ترى الدولة مرحلة ضمن "مسار إلهي" أصبحت أكثر القوى السياسية صبرا والتزاما بالإجراءات في السياسة الإسرائيلية. حيث يتمركز أتباعها في المواقع الحيوية لصنع القرار، لتتحول ممارساتهم إلى نزعة دينية متطرفة تتجسد في بنية الإدارة.

ولهذا تضلل استطلاعات الرأي كما نتائج الانتخابات. فالانتخابات تغير الوزراء، لكنها لا تغير من يعمل داخل الجهاز البيروقراطي، أو من يمول المستوطنات، أو من يكتب المناهج الدراسية.

font change


مقالات ذات صلة