ماذا يعني تنديد يهودي إسرائيلي بالعنف في غزة؟

منشور على "فيسبوك" يقلب حياة مدرس تاريخ رأسا على عقب

Péter Csuth/Majalla
Péter Csuth/Majalla

ماذا يعني تنديد يهودي إسرائيلي بالعنف في غزة؟

لجأ مير باروخين إلى "فيسبوك" لمشاركة ما يدور في خلده، وهو يشاهد مناطق سكنية بأكملها تدمر في غزة، وعائلات تباد بأكملها، ومباني حيوية تتحول إلى ركام ودخان، إثر الغارات الجوية الإسرائيلية.

كانت الإنسانية وحدها حافزه ضد ما يصفه بجرائم الحرب التي يرتكبها جيش بلاده ضد المدنيين الأبرياء ردا على هجمات "حماس" في العام الماضي، عندما اجتاح المسلحون مجتمعات مدنية في جنوب إسرائيل، وبعد يوم واحد فقط من تلك الهجمات.

وعبّر باروخين، مدرس مادة التاريخ في المدارس الإسرائيلية منذ 35 عاما، عن تعاطفه مع المدنيين الفلسطينيين في غزة عبر منشور على صفحته في "فيسبوك"، فكان أن قلب هذا المنشور حياته رأسا على عقب منذ ذلك الحين.

في 8 أكتوبر/تشرين الأول، كتب باروخين، إلى جانب صورة تظهر جثث خمسة أطفال صغار من غزة: "صور مروعة من غزة. عادة ما أمتنع عن مشاركة مثل هذا المحتوى، ولكن انظروا ماذا نفعل من أجل الانتقام. أي شخص يعتبر ذلك مبررا في ضوء أحداث الأمس (7 أكتوبر)، عليه أن يحذفني من قائمة الأصدقاء".

أثار هذا المنشور رد فعل عنيفا وواسعا، وجاءته ردود عنصرية في الغالب تجاه الفلسطينيين ومليئة بالألفاظ النابية الموجهة إليه.

يسلط باروخين الضوء على التداعيات الاجتماعية والاقتصادية الشديدة في إسرائيل بالنسبة لأولئك الذين يظهرون أي نوع من التعاطف أو الشفقة مع الفلسطينيين في أعقاب هجمات "حماس" في 7 أكتوبر. وتدافع الحكومة الإسرائيلية عن تدقيقها في التعبيرات العامة، مشيرة إلى ضرورة حماية الأمن القومي من "التحريض" لأن البلاد في حالة حرب.

وفي مقابلة أجرتها "المجلة" مع باروخين عن بُعد من منزله في القدس، قال لنا: "بالنسبة لكثير من الإسرائيليين، صورة الفلسطيني غامضة، وترتبط على الفور في أذهان الإسرائيليين بالإرهاب. ليس للفلسطينيين اسم ولا وجه ولا أسرة ولا أمل ولا خطط، مما يجعل حياتهم– في نظر معظم الإسرائيليين– بلا قيمة. لذا فإن ما أحاول القيام به في صفحتي على "فيسبوك" هو إضفاء طابع إنساني على الفلسطينيين، إعطاؤهم أسماء، وتزويدهم بالهويات والقصص، على أمل أن يعترف بهم المزيد من الإسرائيليين باعتبارهم إخوانهم في الإنسانية، وينخرطون في حوار سلمي. وحتى وسائل الإعلام الإسرائيلية الرئيسة تساهم في ذلك، ولا تقدم الفلسطينيين كبشر، بل كمجرد إرهابيين. هذا هو الصوت الوحيد الذي يسمعه أو يراه معظم الإسرائيليين، وأنا أحاول أن أفعل خلاف ذلك".

بالنسبة للعديد من الإسرائيليين، صورة الفلسطيني غامضة، وترتبط على الفور في أذهانهم بالإرهاب

ثمن إظهار التعاطف مع سكان غزة

كان السجن، وفقدان وظيفته، ومحاولة الاعتداء عليه من قبل المتظاهرين الغاضبين في مدرسته، هو الثمن الذي كان على باروخين أن يدفعه، ففي 18 أكتوبر، استدعته الشرطة لاستجوابه حول منشوره، وفي اليوم التالي فُصل من وظيفته.

بل إن وزارة التربية والتعليم ألغت رخصة التدريس الخاصة به، وفصل من مدرسته في مدينة بتاح تكفا بالقرب من تل أبيب.

وبعد نحو أسبوعين، استجوبته الشرطة بتهمة "الفتنة والتحريض على الإرهاب"، لكن المدعي العام قرر أنه لا يوجد في منشور باروخين ما يدعو حقا للعنف. ويقول باروخين إن الشرطة كيفت التهم بعد ذلك إلى "نية ارتكاب عمل من أعمال الخيانة والإخلال بالنظام العام".

"في اللحظة التي دخلت فيها مركز الشرطة، صادروا هاتفي وكبلوا يدي ورجلي، ثم اصطحبني خمسة محققين إلى شقتي ونهبوا المكان بأكمله، قبل أن يعيدوني إلى مركز الشرطة لاستجوابي الذي استمر لساعات. في الجزء الأول من الاستجواب، توصلوا إلى 14 منشورا على (فيسبوك)، اثنان منها فقط بعد 7 أكتوبر. وكان أن صنفوني كمعتقل ذي خطر كبير ونقلوني إلى السجن في مركز احتجاز موسكوفيا (وسط القدس) حيث أودعوني في زنزانة انفرادية".

AFP
فلسطينيون يفرون من منازلهم في خان يونس صوب الحدود المصرية مع قطاع غزة

وكان على باروخين الحاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ الأميركي من الجامعة العبرية في القدس (موضوع أطروحة الدكتوراه التي قدمها عن قوى الحرب في النظام السياسي الأميركي)، كان عليه أن ينتظر حتى 14 يناير/كانون الثاني ليكسب دعوى قضائية ضد وزارة التعليم ويعود إلى وظيفته، ولكنه تلقى استقبالا سيئا عندما عاد إلى المدرسة لأول مرة.

ووصف باروخين ما جرى قائلا: "في أول يوم لعودتي إلى المدرسة في 19 يناير، احتج عشرات الطلاب على عودتي، وطرقوا نوافذ غرفة المعلمين، وشتموني وبصقوا في وجهي".

وكانت صدمة باروخين أكبر حين وجد أن خمسة مدرسين فقط من أصل 80 من زملائه المعلمين والعاملين بالمدرسة وقفوا معه. كان يشعر بالوحدة والعزلة.

لقد أثرت التجربة برمتها على كيفية تعامل باروخين مع حياته اليوم. لقد شعر بالإهانة والوحدة والعزلة

سوى أن مائير باروخين ليس الشخص الوحيد في إسرائيل الذي يحمل مثل هذه المشاعر، فثمة كثير من الإسرائيليين يترددون في التعبير عن آرائهم علنا عما يحدث في غزة بسبب الخوف من التداعيات.

ويروي أنه تلقى عددا هائلا من رسائل الدعم الخاصة، حيث يعترف الأفراد بموافقتهم على موقفه الإنساني، ولكنهم يبررون صمتهم بالمسؤوليات الشخصية والمالية الملقاة على كاهلهم. يقول باروخين: "أتلقى مئات الردود من الأشخاص الذين يقولون: مائير، أنا أساندك تماما. ولكن لدي أطفال أخشى عليهم. مائير، أنا معك، ولكن علي رهن عقاري أدفعه. مائير، أنا معك لكن ابنتي ستتزوج. مائير، أنا معك، ولكننا بدأنا للتو في إعادة تصميم المنزل. إنهم خائفون من التحدث. تلقيت مئات الرسائل. إنهم لا يريدون أن يفقدوا وظائفهم".

أثرت التجربة برمتها على كيفية تعامل باروخين مع حياته اليوم. لقد شعر بالإهانة، وحتى يومنا هذا، لا يستطيع أن يستوعب تماما أن سبب حدوث كل هذا فقط من أجل منشور واحد يتعلق بحرية التعبير.

لا يمكن اعتبار قضية مائير حادثة معزولة في المجتمع الإسرائيلي بعد هجمات "حماس"، فالمعطيات خير دليل على ذلك.

Reuters
دبابة إسرائيلية تطلق قذيفة في غزة

أظهر أحدث استطلاع لمؤشر السلام أجرته جامعة تل أبيب أن 94 في المئة من اليهود الإسرائيليين و82 في المئة من إجمالي السكان في إسرائيل يعتقدون أن الجيش الإسرائيلي استخدم القدر المناسب من القوة النارية في الحرب التي قتلت وجرحت عشرات الآلاف من الفلسطينيين. ويعتقد ما يقرب من 75 في المئة من مجموع السكان أن الضرر الذي لحق بالفلسطينيين كان مبررا لتحقيق هزيمة "حماس".

وأظهر استطلاع آخر أجراه معهد الديمقراطية الإسرائيلي في يناير أن 66 في المئة من الشعب الإسرائيلي يرفضون الضغوط الأميركية لتحويل الحرب في غزة إلى مرحلة يكون فيها القصف العنيف والغارات الجوية أقل.

ويقول باروخين إن هذه الاستطلاعات سلطت الضوء على مشكلة وطنية تتعلق بكيفية رؤية الإسرائيليين للآخر على الرغم من الصدمة الجماعية التي حدثت في 7 أكتوبر، عندما قُتل 1200 إسرائيلي بعد هجمات "حماس"، وأسفرت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، حتى كتابة هذا التقرير، عن مقتل أكثر من 27 ألف شخص، معظمهم من الأطفال والنساء، بحسب وزارة الصحة في القطاع.

ويقول باروخين: "لن أشعر بالأسى إذا قُضي على حركة حماس واختفت من المشهد، ولكن الواضح أن أي شخص هنا يتعاطف ولو قليلا مع شعب غزة أو ينتقد الحكومة والجيش الإسرائيلي بسبب مقتل مدنيين أبرياء يواجه اضطهادا سياسيا. إنهم يتعرضون للتشهير العلني".

ومن خلال أفكاره وأحلامه حول تغيير هذا العالم، يحدو باروخين أمل كبير في أن يرى اليوم الذي يكون فيه للفلسطينيين دولتهم الخاصة إلى جانب إسرائيل ويتمتعون بحقوقهم الأساسية.

وقال: "أنا أنظر إلى البشر كبشر، وليس كعرب أو إسرائيليين".

font change

مقالات ذات صلة