لم تواجه المحكمة الجنائية الدولية منذ تأسيسها، اختبارا وجوديا مركبا شديد التعقيد كالذي تمر به هذه الأيام فللمرة الأولى في تاريخها، لم تعد التحديات التي تواجهها تقتصر على نقص التعاون أو الاتهامات بالانتقائية، بل اجتمعت ثلاث أزمات متزامنة تضرب المحكمة في صميم شرعيتها القضائية واستقلالها المؤسسي وقاعدة عضويتها، كان أول هذه الأزمات قيام جمعية الدول الأطراف في نظام روما الأساسي، المؤسس للمحكمة، بعزل المدعي العام للمحكمة كريم خان من منصبه بتاريخ 24 يوليو/تموز المنصرم، في إجراء غير مسبوق في تاريخ المحكمة، على خلفية اتهامات بسوء سلوك جنسي جسيم، بينما ثاني هذه الأزمات حملة عقوبات أميركية-إسرائيلية غير مسبوقة طالت قضاة ومدعين ومسؤولين بالمحكمة عقب إصدارها مذكرتي أمر بالقبض ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، في حين كان ثالث هذه الأزمات حملة الانسحابات الجماعية غير المسبوقة من نظام روما الأساسي التي قادتها الولايات المتحدة وأسفرت عن خروج عدد من الدول من نظام المحكمة، وهي تشاد وفنزويلا والنيجر ومالي وبوركينا فاسو.
ونتيجة لتوقيت هذه الأحداث المتقاطعة وخلفياتها السياسية المتشابكة، يبرز سؤال جوهري بشأن مستقبل القانون الدولي الجنائي والمنظمات القضائية الدولية: هل تملك المحكمة الجنائية الدولية القدرة المؤسسية على الصمود أمام هذا الحصار متعدد الجبهات، أم إن هذه اللحظة تؤرخ لبداية تفكك تدريجي لأحد أهم صروح العدالة الجنائية الدولية؟
المحكمة بين الاستقلال عن الأمم المتحدة والارتباط بها
تعد المحكمة الجنائية الدولية جهة قضائية دولية دائمة ومستقلة عن المؤسسات القضائية التقليدية للأمم المتحدة، وإن كانت مرتبطة بها على سبيل التعاون بموجب اتفاقية خاصة موقعة بين المحكمة والأمم المتحدة، وقد أنشئت المحكمة بموجب نظام روما الأساسي الذي اعتمد في يوليو/تموز 1998 ودخل حيز التنفيذ في يوليو/تموز 2002، ومقرها بمدينة لاهاي الهولندية في حي المنطقة الدولية والذي يضم عدة مؤسسات قضائية وعدلية دولية.
وتختص المحكمة الجنائية الدولية بالفصل في الدعاوى الجنائية الخاصة بأربع جرائم دولية جسيمة، تعتبر أشد الجرائم خطورة من منظور القانون الدولي الإنساني، وهي: الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان "التي أضيفت عام 2018"، وتعمل المحكمة وفقا لمبدأ التكامل مع الولايات القضائية الوطنية للدول الأعضاء، بحيث لا تحل محل القضاء الوطني إلا حين يثبت عجزه أو عدم رغبته الحقيقية في الملاحقة.
وتتألف المحكمة من أربعة أجهزة رئيسة: هيئة الرئاسة، والدوائر القضائية "التمهيدية والابتدائية والاستئنافية" ، التي تضم 18 قاضيا، ومكتب المدعي العام المستقل بحكم النظام الأساسي عن أي جهاز آخر في المحكمة أو خارجها، وقلم المحكمة، المختص بالمسائل الإدارية غير القضائية واللوجستية.
أما جمعية الدول الأطراف، فتتكون من ممثلي جميع الدول الموقعة والمصادقة على النظام الأساسي (125 دولة حتى مايو/أيار 2026)، وتمارس دورا تشريعيا ورقابيا وإداريا، بما في ذلك الموافقة على ميزانية المحكمة، وكذلك انتخاب القضاة والمدعي العام، كما تملك صلاحية عزل هؤلاء عند ثبوت سوء سلوك جسيم من أحدهم.

نظرياً، يؤكد نظام روما استقلال المحكمة كمؤسسة، واستقلال قضاتها الذين يُنتخبون لولاية تسع سنوات غير قابلة للتجديد، واستقلال المدعي العام الذي يعمل كجهاز منفصل ويُنتخب أيضا من الجمعية وتمتعهم بالحصانة الوظيفية وآليات انتخاب وعزل داخلية محصنة من التدخل السياسي المباشر، ويُعتبر هذا الاستقلال ركيزة أساسية في المنظومة القضائية الدولية لضمان الحيدة والنزاهة والمساءلة بعيدا عن التأثيرات السياسية، وهي الركيزة التي تُختبر اليوم في ظل الأزمة الراهنة.

