في هذا الزمن الملتبس، الذي تخترق فيه مقاييس الحكمة، والعقلانية، والواقعية ومستلزماتها، الاجتماعية والسياسية والمذهبية... إلخ. تطرح على نفسك السؤال: كيف يمكن أن تحافظ على مسافة بينك وبين هذه الظواهر والموروثات التي تحاصرك، منذ وعيك، حتى اليوم؟ كيف تخترق الجدران الصفيقة لإيجاد مكان خارجها يسمح لك بالإحساس بأنك موجود، يمكن أن تختار ما تراه مقنعا، متنقلا خارج العبودية بأشكالها كافة، الموروثة والمستحدثة، كي لا تكون ذئبا بين الذئاب وحملا بين الحملان؟ فهل من مكان تعبّر فيه عن وجودك كونك حرا من دون أن تدفع ثمن ذلك غاليا، ولكي لا تكون كما قال الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد: "وأفردت إفراد البعير المعبّد".
وعليك دائما أن تطرح هذا السؤال الصعب: ماذا يعني أن تكون حرا؟ إنه السؤال الأصعب والأقسى الذي يطرحه الإنسان على نفسه، وربما على الآخرين. أظن أن العبد هو الذي يتحرك بأمر ما، والإنسان الحر هو الذي يتحرك بحسب إرادته أو مزاجه ومتعته. هل هذا جواب غير كاف لمفهوم الحرية: المزاج والظرف والفردية والمتعة؟ هذا ليس حقيقيا إطلاقا، ذلك أن الإنسان عندما يكون أسير نوازعه ومزاجه وظرفيته، ولا يكون موقفه إضافة وإفادة وموقفا متميزا في الظروف المطلوبة، فهذا يعني أن موقفه ليس أكثر من شكل من أشكال العبودية بامتياز.