ماذا يعني أن تكون حرا؟

ماذا يعني أن تكون حرا؟

في هذا الزمن الملتبس، الذي تخترق فيه مقاييس الحكمة، والعقلانية، والواقعية ومستلزماتها، الاجتماعية والسياسية والمذهبية... إلخ. تطرح على نفسك السؤال: كيف يمكن أن تحافظ على مسافة بينك وبين هذه الظواهر والموروثات التي تحاصرك، منذ وعيك، حتى اليوم؟ كيف تخترق الجدران الصفيقة لإيجاد مكان خارجها يسمح لك بالإحساس بأنك موجود، يمكن أن تختار ما تراه مقنعا، متنقلا خارج العبودية بأشكالها كافة، الموروثة والمستحدثة، كي لا تكون ذئبا بين الذئاب وحملا بين الحملان؟ فهل من مكان تعبّر فيه عن وجودك كونك حرا من دون أن تدفع ثمن ذلك غاليا، ولكي لا تكون كما قال الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد: "وأفردت إفراد البعير المعبّد".

وعليك دائما أن تطرح هذا السؤال الصعب: ماذا يعني أن تكون حرا؟ إنه السؤال الأصعب والأقسى الذي يطرحه الإنسان على نفسه، وربما على الآخرين. أظن أن العبد هو الذي يتحرك بأمر ما، والإنسان الحر هو الذي يتحرك بحسب إرادته أو مزاجه ومتعته. هل هذا جواب غير كاف لمفهوم الحرية: المزاج والظرف والفردية والمتعة؟ هذا ليس حقيقيا إطلاقا، ذلك أن الإنسان عندما يكون أسير نوازعه ومزاجه وظرفيته، ولا يكون موقفه إضافة وإفادة وموقفا متميزا في الظروف المطلوبة، فهذا يعني أن موقفه ليس أكثر من شكل من أشكال العبودية بامتياز.

 خضوع المرء لعقله يعني الخضوع للمطلق، فذلك يتنفس منه الحرية، إنه العقل الموازي للإرادة وللقناعات وللمواقف

فالحرية ليست موقفا لمن يختارها لأسباب مذهبية، نفعية أو أنانية، أو قدرية، أو خاضعة للمصادفة والأهواء. فهي تخضع لسلطان واحد هو العقل، عقل الشخص الذي يجد نفسه بين اختيارات عديدة، يتمثل فيها الأمر بسطوته على الأمور، سواء كان حالة، أو شخصا، أو حاكما، أو زعيما، أي إن خضوع المرء لعقله يعني الخضوع للمطلق، فذلك يتنفس منه الحرية، إنه العقل الموازي للإرادة والقناعات والمواقف.

أما أن تخضع لمن يستغلق عقله، فيعني أنك مجرد عبد. هذا هو الاستغلال بعينه، ففي دولة يسودها القانون يحس الإنسان أنه حر بقوة القانون، لكن إذا كان في نظام تخترق فيه القوانين لمصلحة الحاكم، فأنت كائن تتحول كائنا مسلوبا في حال موافقتك عليه أو خضوعك له.

من هنا نطل على واقع نعيشه، عندما تتخذ الأحزاب قرارات مفروضة عليك من الخارج، (من خارج بلادك)، لمصلحتها، بزعم مصلحتك، أو مصلحة الشعب... فهي مهما ادعت رفع شعار الحرية، فإنها تبقى منحرفة عن واقعها، تستبد به، خصوصا في القضايا المصيرية، وبالأخص الاستقلال وحرية الجماعة، بمعنى أدق بما يخص مصلحتك بالذات.

أما أن  تؤازر  تنظيمات أو جماعات موسومة بالعنصرية، أو المذهبية، أو الأيديولوجيات الأحادية، والتي تسعى إلى تفكيك المجتمع، في حروب داخلية، أو تناصر جهات خارجية خليطة، فهذا يعني أنك تخليت عن نفسك وعن أهم ما تتمتع به كإنسان أو مواطن: العقلانية. لتنخرط في عبودية مكتملة الأوصاف، ولا تميز بين من يعمل لمصلحتك الخاصة، أو العمومية أو الإنسانية. فالطائفية مثلا، هي أيديولوجيا الفراغ، وموت الداخل، والآخر. إنها العبثية التي تشل إرادة الإنسان وحريته وعقله.

أما الوشائج العائلية والقبلية التي تأتمر بالموروث، وعلى الفرد أن ينخرط فيها، وأن يخضع لمواقفها، بقوة الكره لا بقوة العقل، فاقدا ثقافته ووعيه وحريته، فهي لا تختلف عن الأحزاب العقائدية.

كم من حاضن للحرية ورافض للعبودية تعرض للإهانات والتبرُّؤ منه، حتى من عائلته وأهله، فانزوى يعيش العزلة، متخليا عن كل شيء

أما إذا كنت لا تهتم بالسياسة، فما من حرية إلا بالموقف الخاص، ولا موقف إلا بالحرية. فالواقع الإنساني يواجه في كل مكان مقاومة أو اعتراضا، ومصاعب، لكن هذه المقاومات ليس لها معنى إلا بالاختيار الحر، بأن الحقيقة الإنسانية مشروطة بحريتها، أي إنني حر ومسؤول عن موقفي، لذلك فإن الاعتراضيين إذا لم يطرحوا ما يربطهم بالمصالح العامة، وكذلك إذا شكلوا ظواهر معادية لإرادة الناس، فيعني أنهم يشكلون خطرا على الحرية، وعلى التاريخ وربما على الجغرافيا. لكن هذا ليس سهلا، فأنت واحد في مجموع، عندما تتخذ قرارات حرة في وسط قطيعية، حزبية كانت أو شعبية أو عائلية، لتنفرد عنها، فهنا تهددك العزلة، وقد تتبرأ منك عشيرتك، وتفردك كإفراد البعير المعبّد، كما قال طرفة بن العبد، وتمتد عليك العزلة، في المنزل وفي الشارع، وربما تصبح موضع شكوك وتساؤلات، وربما اتهامات  بالعمالة والخيانة.

فللحرية ثمن.. إنها ليست مجانية، يحتفل فيها الإنسان وحيدا بنفسه. فكم  شاعر أو كاتب أو صحافي دفعوا أثمان حريتهم ومواقفهم، أو تعرضوا للاستبداد أو للقطيعة والعزلة. بل وكم من مناضل، أو مقاوم، سواء فرديا أو جماعيا، تعرض للاغتيال أو للمطاردة أو لإدخاله السجون. بل كم من حاضن للحرية ورافض للعبودية تعرض للإهانات والتبرؤ منه، حتى من عائلته وأهله، فانزوى يعيش العزلة، متخليا عن كل شيء، حتى عن ثقافته وآرائه، إنه الهروب من الواقع المسلوب، إلى الواقع القاسي.

إنها الحرية، إما أن تكون أو لا تكون.

font change


مقالات ذات صلة