إنه الزمن الأكثر إمعانا في ظواهر التهجير من سواه، على امتداد تواريخ وحروب وانقلابات واتجاهات عنصرية وأيديولوجية وسياسية، كأنه يمثل تجديدا لوسائل الحروب وإلزاماتها وعاداتها وشراهتها، ويمثل مجمل التراكمات التي أدت إلى الخراب، وتدمير المدن بحضاراتها، والأحياء بتذكاراتها، واقتلاع الناس اقتلاعا من أرضهم وتاريخهم وذكرياتهم، وبالأخص مستقبلهم الغامض. إنه ذروة إلغاء الآخر في صميم وجوده، وحياته وماضيه.
أهو العنف الغريزي الذي يكمن في داخل الإنسان، أم إن الحروب تؤدي إلى غريزة سلوكية تتجسد في الجرائم الجماعية، والقتل، وأشكال الإلغاء، كأن الحروب في معظمها ومنظوماتها تسعى دائما إلى الإحلال، عبر مصادرة تاريخ "الأعداء" وأرزاقهم وحتى أوطانهم. إنها إرادة ضرب الديموغرافيات وأشكال المجتمعات وعاداتها وماضيها وما تجهله من أمور المستقبل بعدما تفتقد كل شيء. هذه هي اللحظات الدراماتيكية التي يقف أصحابها بين لحظتين مصيريتين: الماضي المطعون، والمستقبل المجنون، ولا رحمة، ولا مشاعر.
اليوم، كأنما ما وراء هذه العمليات، تطرح أسئلة: أهي امتداد لأسس حضارات تسقط، لتحل محلها حضارة أخرى؟ هل للتهجير مثل هذا المعنى، إذا تجاوزنا الانتصارات الشكلية الحقيقية، على غرار أن الحروب التي عرفناها في القرن العشرين وما قبله، كأنها كانت، بأواصرها، ومكنوناتها وتصاميمها، جزءا من عملية تبديل الحضارات: كل حضارة نهضت، منذ القديم حتى اليوم، على حطام حضارة أخرى وزمن آخر، الحرب العالمية الأولى هزمت ألمانيا. وجاء هتلر لينتقم من الغرب والشرق لإنشاء حضارة آرية "ستحكم العالم ألف عام" كما صرح. لكنه هزم وانتصر الحلفاء، وامتد زمن حضري قائم على السلم والديمقراطية وتجاوز العنصرية، ورفعت مؤسسات أممية تلعب دورا تحكيميا بين التناقضات.
لكن ماذا تخبئ هذه الحروب العالمية الجديدة؟ أحضارة جديدة؟ وما هي ملامحها؟ أتشرد الناس بمواضعهم وعاداتهم وحدودهم، من أجل تحقيق وجه آخر لهذا الزمن الملتبس؟
مرفوض أن يجد المهجر ملاذا، بل يجب أن يظل محتقرا في كرامته، ذليلا في إرادته، هائما بين مواطنيه وناسه
إنها الوحشية في أقصى درجاتها، تعبث بجذور الإنسانية التاريخية والمكانية، كأنها صناعة الفراغ المدمي والمفتوح على فراغ الضربات الممتدة بلا حدود، بل كأنما عملية التهجير محاولة فصل الإنسان عن نفسه: أي عن أمكنته وأشيائه. تصبح ذكريات أليمة لا رجوع إليها ولا بقاء فيها، ترمي فيها جزءا من البشرية في العدم، العدم الذي يجعل كل مهجر صنيع الاغتراب، كأنه جزء من حطام منزله وذاكرته، يواجه العالم، وكأنه مرفوض منه، مزدرى. مرفوض أن يجد ملاذا، بل يجب أن يظل محتقرا في كرامته، ذليلا في إرادته، هائما بين مواطنيه وناسه.
يبحثون له عن ملجأ، لا يكون منزلا بل مجرد مدرسة ورصيف، أو غرفة ليس فيها ما يريحه أو يعزيه: تماما كشجرة تقتلع بوحشية، ويبحثون عن جدار يزرعونها فيها. فالمنزل جزء متجذر من حياته، ومن حواسه، ومن عاداته، ومن شؤونه، وكل نافذة فيه ذكريات يطل منها على العالم.
لكن التاريخ لا يعرف البدايات، بل الاستمرارية، لنتذكر كيف نقل ستالين سكان مئات البلدات والمدن، إلى أماكن أخرى. وها هي إسرائيل ترمي أهالي جنوب لبنان إلى المجهول، باحثين عن مأوى في العراء، وعلى الأرصفة وفي المدارس، بل تطاردهم إسرائيل وتقصفهم، كأنها ملامح إبادة، وما زلنا نعيش هذه الأنواع الوحشية من تهجيرهم حتى الآن، ولا من رادع، حتى وصل الأمر إلى احتلال إسرائيل مئات القرى والبلدات.
وهنا نذكر أن هتلر لم يكن أول من مارس التهجير العرقي، وأعلن الحرب، ليحكم العرق الآري العالم ألف عام، بل إن إسرائيل ورثت ما ارتكب في شعبها، لتلتزمه في الشعب الفلسطيني، والآن في الشعب اللبناني، وربما غدا في شعوب عربية أخرى.
ها هي إسرائيل ترمي أهالي جنوب لبنان إلى المجهول، باحثين عن مأوى في العراء، وعلى الأرصفة وفي المدارس
إنها لعبة الحضارات الكبرى والصغرى التي لا تقوم إلا على ركام حضارة أخرى، لكن أي حضارة هذه التي لا تقوم إلا على تسليع البشر، وما جرائم التهجير سوى من "إنجازات" الأقوى والأكثر امتلاكا للأسلحة الفتاكة. بل أي حضارة هذه التي لا تقوم إلا على إلغاء الآخر وتهميشه وتشييئه؟
وللذكر، فإن الولايات المتحدة شتتت سكان البلاد الأصليين، واحتلت أراضيهم وضربت ثقافاتهم وعاداتهم، وكذلك فعل المغول، والآن إسرائيل. لعبة التهجير هذه كأنها تولد مع القوي ولا تنتهي عند الأضعف.