إذا كانت الثقافة الشمولية أورثتنا، أول ما أورثتنا، فكرة "الكتل"، التاريخية أو الجغرافية أو الإثنية المرصوصة، المكتملة، التي تتحرك في اتجاه واحد، وفي مستوى واحد، فإن هذه الثقافة، في منظورها الأحادي، تجاوزت الوقائع والتفاصيل التي تشكل مكونات هذه الكتل، وهي مكونات لا تتساوق في بنى واحدة، ولا حتى في تشاكيل واحدة، فالانسجام في الطبيعة وفي المعطيات ومن ثم في ما يصير أو يتحول، ليس انسجاما جاهزا. وتاليا، ليس انسجاما أبديا في عناصره الأولى والمتحولة.
إن فكرة الانسجام التاريخي الجاهز المعبر عنه بفكرة الكتل التاريخية، تعني، في ما تعني، تعطيل المواجهة المفترضة بين الفكر وبين الواقع، أو بين الفكر (كفعل) والفكرة، وذلك في جعل "الواقع" أمرا واقعا، والفكرة نظاما فوقيا مقدسا. وهذا يعني، إلغاء دور العقل كأداة نقدية تسعى باستمرار إلى كسر الآلية الجاهزة التي قد تتمثل بالقولية المغلقة. وهنا يتحول العقل كأداة نقد ومراجعة ضرورية إلى أداة تبرير. ونظن أن المنطق التبريري يكاد يكون السمة الأبرز في "سياسة" المؤسسات الشمولية المعاصرة. وهو في النهاية منطق يقوم على سياسة الدفاع عن الذات. وهنا تتحول الفكرة إلى ذريعة تصل إلى حدود نفي نفسها. تقع في الشعار والشعائر.
المفارقة الأساسية أن معظم الأفكار والأنظمة والمؤسسات الشمولية تقوم في معطياتها الأدق على فكرة نفي الواقع الجاهز، توجها إلى اكتشاف مستمر لمخزون هذا الواقع وتناقضاته، لكن عندما تتجسد هذه الفكرة في إطارها المؤسسي السياسي، تنتفي مقولة التجاوز الدائم، أو الثورة المستمرة، في أجهزة مؤسسية سياسية، أي في محاصرة الواقع بعناصر غير تحليلية ونقدية، أي في انتفاء سلطة العقل ليحل محلها "عقل" السلطة.
من سلطة العقل، وهي السلطة التي يفترض أن تخضع لها مختلف الظواهر، إلى "عقل" السلطة الذي يتحول إلى أداة تبسيطية ذرائعية أي سياسية برغماتية، تموت فكرة الأيديولوجيا المحولة والمتحولة. تتحول الأيديولوجيا عبر التباسها بمفهوم السلطة، إلى قناع ميت، يخفي خلفه معدن المؤسسات المفرغة من مضامينها. تصبح الأيديولوجيا منفذا إلى موت الأفكار. تصبح الأيديولوجيا مقبرة ذاتها.
عاش العالم في نهايات القرن العشرين، موت الثورات الكبرى التي حركت العالم بعناصره البشرية والتاريخية، كأنما اصطدمت بالأسوار التي بنتها حول نفسها. ولعل الارتدادات التي تشهدها منذ نهاية الستينات والتي بلغت ذروتها في زمننا هذا، دليل على هذا الواقع. فالأنظمة التي قامت على قصد التحرر الداخلي من التخلف والتراجع، والتحرر الخارجي من قوى الاستعمار، تحولت شعائرها إلى مظاهر فولكلورية مطلقة وثابتة لإخفاء كسورها وخللها. وأصبحت هذه الشعائر والشعارات، من خلال تكريسها ثابتا من ثوابت الأنظمة "الخالدة"، إلى قناع حديدي تختبئ خلفه قوى الاستغلال والتسلط والظلم والقمع. الأيديولوجيا، بعد هذا التراجع المميت، باتت خطرا داهما، بفعل طوابعها النهائية. وباتت أساسية في وجه عمليات التغيير، ودرعا واقيا لأشكال الجمود والتخلف والبيروقراطية. يعني أنها باتت في عزلة عن الواقع المتحرك، تمارس عليه ما تمارس، كي يتشظى ويتفتت.
وإذا نظرنا اليوم إلى الأوضاع السائدة، ليس في المنطقة العربية فحسب، بل في العالم، الذي حصد ما قد زرع، توقفت كل محاولة للتغيير. فعندما تجف أصول المنجزات السابقة، تفرغ من كل سوابقها المفتوحة على الآخر، وتبني "فلسفة" الأقوى يفترس الأضعف، مما يجعل التاريخ وعاء مثقوبا، ومقتلعا، ذلك لأننا نعيش اليوم الذي تخلى فيه الإنسان وحتى النخب، عن التراكمات التي بددت وذابت في المجتمع الاستهلاكي الشامل، وربما للمرة الأولى في التاريخ يعاني العالم أزمة الأفكار (التي صنعت المدارس الاقتصادية والأدبية والفنية...). وهل يتصور إنسان أن هذا العالم الذي بنيت ركائزه على الأفكار السياسية، والأدبية، والاستقلالية، والفلسفية، والشعرية، فقد خواصه الأساسية، أي الحرية والتعددية، واستوت الفروقات بين الشرق والغرب، والعالم الأول والعالم الثالث بكل أثقالها ونوافلها. فأوروبا باتت في نظر كثيرين تنتمي إلى العالم الثالث، وخصوصا بتقدم الأحزاب اليمينية بل باتت الولايات المتحدة بمستواها السياسي على الأقل، أقرب إلى العالم الثالث.
إذا كانت التحولات الأولى ضربت المجتمعات، فالثانية التكنولوجية همشت الإنسان الذي لم يعد سيد التقدم
كل هذا الفراغ والانقلابات الفكرية والسياسية، لم تجد لها بديلا إلا التكنولوجيا. وإذا كانت التحولات الأولى ضربت المجتمعات، فالثانية التكنولوجية همشت الإنسان الذي لم يعد سيد التقدم بل صار خاضعا للآلة، التي لم تكتف بتهميشه، بل وصلت إلى الاستيلاء على دوره ومصيره. فهي حلت محله بدلا من أن يستخدمها. فهل نعيش اليوم بفعل هذه التراكمات الانقلابية، في زمن ما بعد الإنسان، الذي يبدو أنه تحول إلى آلة تصنع آلة؟
وكأن الأيديولوجيا المعدنية (الروبوت، والذكاء الاصطناعي) ورثت الأيديولوجيات السابقة وباتت الناطقة باسم التغيير و"المستقبل" وحتى باسم مفاهيم فضفاضة مثل الحرية والعدالة والمساواة، هذا في الوقت الذي تشهد فيه هذه القيم في الواقع تراجعا تاريخيا، ويمضي العالم بأسره نحو مصير قاتم يهمش فيه الإنسان ويصبح جزءا من أيديولوجيا الآلة، بدلا من أن تكون الآلة وسيلة لرفاهيته وتطوره.