درس تربوي من الهند

درس تربوي من الهند

مع حلول الذكرى الثمانين لاندلاع أعمال العنف الرهيبة بين الهندوس والمسلمين في الهند (بدأت في صيف عام 1946 وأوقعت مئات الآلاف من الضحايا)، بعد اشتداد الخلاف السياسي بين زعيمي "حزب المؤتمر الهندي" جواهر لال نهرو (الهندوسي)، ومحمد علي جناح (المسلم)، قُبيل استقلال البلاد بعام واحد، والتي أفضت في المحصلة إلى استقلال باكستان وبنغلاديش عن الهند. ساد الفضاء العام في البلاد نقاش سياسي وثقافي تمحور حول سؤال مركب: لماذا حصلت تلك الأحداث الدامية، التي كانت مفصلية ومُحددة لكل ما سارت عليه الدولة والمجتمع الهندي فيما بعد؟ وكيف تتم معالجة تلك المجريات في المناهج التربوية التي يتعلم منها مئات الملايين من الطلبة في البلاد، التي تهندس وعيهم وشكل علاقاتهم الأهلية في البلاد، ومستقبل الجارين اللدودين الهند وباكستان.

لم تخرج استنتاجات الباحثين والمفكرين الهنود عن السياق الكلي لموجة المؤرخين الجدد في العالم، بالذات الذين امتدت أعمالهم وأدوارهم إلى مؤسسات التربية والتعليم في بلدانهم، المؤرخين الجدد الذين أكدوا أن ثنائية قراءة تاريخ الشخصيات الوطنية ومجريات الأحداث التاريخية بأسلوب تمجيدي لا نقدي، وتكريسها في المناهج التربوية عبر التلقين والحفظ، لا التحليل والتركيب، تدفع لأن يتحلى الطلبة بكل أشكال التمركز حول الهويات الضيقة والمغلقة، والركون إلى أوهام الصفاء والتفوق على الآخرين، والتعصب لكل تفاصيل الهويات المحلية، وفقدان أي أدوات للإحاطة بالتاريخ الوطني ونقده، وسوء في القدرة على استخدامه كجسر للتواصل مع الكل العالمي.

حسب رؤيتهم، كانت المناهج التربوية، بما حملته من تلك القيم والأدوات التقليدية تلك، سبباً في استمرار مأساة صراع الهويات الدينية ضمن الدولة الهندية، التي ما تلبث أن تتجدد مرة بعد أخرى، موقعة آلاف الضحايا. وكانت عاملاً مؤسساً لكل الحروب والصراعات الهندية-الباكستانية طوال هذه العقود. ذلك أنه، خلال هذه الفترة الطويلة نفسها، كُرس لآل نهرو ومحمد علي جناح كشخصيتين "مقدستين" في الذات الوطنية للدولتين الهندية والباكستانية، عبر ما تضمنته المناهج التربوية في البلدين، وتحولا بسبب ذلك إلى رمزين مطلقين بالنسبة لأبناء الجماعتين الأهليتين الهندوسية والإسلامية. وفي ذات المسار، لُقنت الأحداث اللاحقة في نفس المناهج التربوية كحقائق مطلقة، مجبولة بكل اعتبارات الإجلال، "وحدة الأمة" بالنسبة للهند، و"استقلال الأمة" بالنسبة لباكستان. فاقدة لكل اعتبارات التركيب والنقد والتحليل، الواجب توافرها لخلق طلبة يتحلون برؤية نقدية وحيوية، وإنسانية الأفق.

على الرغم من انتقادات المفكرين والباحثين الهنود، ما يزال النظام التعليمي تقليدياً إلى حد كبير، بسبب ممانعة التيارات القومية والمحافظة في القطاع التربوي

على الرغم من انتقادات المفكرين والباحثين الهنود، ما يزال النظام التعليمي تقليدياً إلى حد كبير، بسبب ممانعة التيارات القومية والمحافظة في القطاع التربوي، المتحالفة مع القوى السياسية ذات الطابع القومي/الديني، ولا سيما حزب "بهاراتيا جاناتا" الحاكم.

لكن الأمر لا يتوقف على الهند فحسب، بل يمتد ليكون "ظاهرة عالمية". ففي المملكة المتحدة صعدت موجة "المؤرخين الجدد" هؤلاء اعتباراً من أوائل الستينات، أي في ذروة النهضة الليبرالية في القارة الأوروبية، وتمكنوا من فرض القراءة النقدية وأدوات السرد التحليلية والتفسيرية والمركبة للتاريخ البريطاني، بالذات في ممارساته الاستعمارية وسلوكياته الطبقية ونزعاته القومية وخياراته اللغوية والثقافية، مؤسِّسة أجيالاً من المواطنين الأكثر تصالحاً مع حقائق التاريخ البريطاني، من غير المتمركزين حول أية هوية أهلية ذات مضامين عصبية، في أي مجال كان. لكن أعمالهم صارت تصطدم بمقاومة متصاعدة من جانب الكوادر العليا في المؤسسات التربوية، مستخدمة نفس المسوغات التقليدية، مثل "ضرورة خلق هوية وطنية بريطانية في مواجهة موجة المهاجرين".

ربما تكون صيغة التساؤل: "هل من علاقة لكل ذلك بنا، دولاً ومؤسسات ومجتمعات؟!"، غير ملبية، ليكون التساؤل الأصح: "هل من دول ومجتمعات عالمية أكثر حاجة منا لمثل هذا النقاش؟!".

نحن الدول والمجتمعات الغارقة في صراع العصبيات المقدسة وتنازعات الهويات الصلبة وحاملي القيم المطلقة، المرتابين من باقي العالم والمتمركزين حول ذواتنا، المحملين بأوهام حكاياتنا المقدسة وتواريخنا المجيدة وشخصياتنا العامة المبجلة. الخالين جيلاً بعد جيل من أي عقل جمعي مرتكز على رؤية تحليلية وتركيبية، ترى في تاريخنا ما هو متنوع وتشاركي، وفي ثقافتنا ووقائعنا وفنوننا ومعارفنا ما هو وصالي مع باقي العالم.   

هذه البنية التي لا تتوقف عن إيذائنا، حينما تعيد خلق المعضلات ذاتها في وجهنا مرة بعد أخرى. 

على سبيل المثال، عاشت بلدان منطقتنا واحدة من أكثر حُقبها صخباً وحيوية خلال العقد ونصف العقد الماضي، عبر موجة "الربيع العربي"، لكن الغالبية الساحقة من أفراد مجتمعاتنا عاجزة تماماً عن الإحاطة الذهنية والمعرفية بما جرى. تحديد أسباب انطلاق تلك الموجة وتفسير مساراتها ما تضمنته من ظواهر وما استقرت عليه من مآلات، وطبعاً هي غير قادرة على خلق وعي تاريخي يحيط بما حدث خلال هذه السنوات. وبقيت عاجزة عن اجتراح أي شيء إيجابي منها، وحولتها إلى مجرد حروب أهلية متنقلة من دولة إلى أخرى، لم تفرز إلا الخراب المديد. وهو سوء أداء متأتٍ في أحد أبعاده من آثار تلك المنهجيات التعليمية التي لُقن بها ملايين الطلبة طوال عقود متتالية، فصاروا أناسا متمركزين حو عصبيات نضالية وقيم ذكورية وحكايات مجيدة، عراة من أي وعي نقدي وتحليلي لكل تفاصيل التاريخ، وتالياً الحاضر المعاش.

font change