كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في نهاية الشهر الماضي، عن خطة جديدة أعدها مجلس السلام التابع له لنزع سلاح "حماس"، واضعا إياها في إطار مسعى إلى "إنهاء دوامة الدمار" وإطلاق مسار موثوق يقود الفلسطينيين نحو "تقرير المصير وإقامة الدولة".
وجاء الإعلان بعد أشهر من الأخذ والرد الدبلوماسي حول هذه القضية، منذ دخول وقف إطلاق النار في غزة حيز التنفيذ للمرة الأولى في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ما رفع سقف التوقعات بأن يكون مفاوضو مجلس السلام قد توصلوا أخيرا إلى الاختراق الحاسم الذي طال انتظاره، ويمهد الطريق أمام سلام دائم في القطاع الذي أنهكته الحرب.
بيد أنه في الوقت الذي يقول فيه ترمب إنه "سعيد جدا" بالاتفاق المقترح، الذي ينص على "نزع السلاح بالكامل" من "حماس" وبقية الفصائل المسلحة في غزة، ويصر على أنه يمثل "خطوة كبيرة للشرق الأوسط"، طفت على السطح عقبات جدية تثير تساؤلات حقيقية حول مدى قابلية هذا الاتفاق للتطبيق على أرض الواقع.
فـ"حماس"، وإن أبدت استعدادها للانخراط في مسار ينتهي بنزع سلاحها بالكامل، تشترط في المقابل أن تسحب إسرائيل قواتها العسكرية من غزة وأن توقف هجماتها على القطاع، وهو شرط سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى رفضه.
ومنذ البداية، تمثلت المعضلة الأساسية أمام المفاوضين في كيفية إقناع "حماس" بالتخلي عن ترسانتها، بالتوازي مع دفع إسرائيل إلى إنهاء وجودها العسكري في غزة، بما يمهد للانتقال إلى المرحلة التالية من خطة ترمب للسلام المؤلفة من 20 نقطة والهادفة إلى وضع حد للصراع في القطاع.
وكانت الخطة، التي كشف عنها في سبتمبر/أيلول من العام الماضي، قد نصت على إنشاء مجلس السلام للإشراف على تنفيذ الاتفاق، إلى جانب نزع سلاح "حماس"، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وإعادة إعمار غزة. كما تضمنت تشكيل حكومة فلسطينية تكنوقراطية جديدة، ونشر قوة أمنية دولية، وإعادة بناء القطاع الفلسطيني المنكوب بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منه.
وخلال اجتماع لمجلس الوزراء في كامب ديفيد، بعد وقت قصير من الإعلان عن اتفاق نزع السلاح، قال ترمب إن لديه "تفاهما" مع إسرائيل بشأن المقترح الذي جرى التوصل إليه مع "حماس"، مؤكدا أن "إسرائيل سعيدة جدا به".
ولكن عندما سئل عما إذا كانت "حماس" ستنزع سلاحها أولا قبل انسحاب القوات الإسرائيلية من غزة، أم أن الانسحاب سيسبق نزع السلاح، تجنب ترمب الإجابة مباشرة، واكتفى بالقول إن غزة لا تزال تمثل "وضعاً شديد التعقيد".
ويعكس تردد ترمب في الإجابة عن هذا السؤال المحوري أنه، رغم التقدم الواضح الذي أحرزه مجلس السلام في معالجة ملف نزع السلاح، لا يزال الطريق طويلا قبل ترجمة التفاهمات السياسية إلى خطوات فعلية، في ظل سعي كل من "حماس" وإسرائيل، وإن بدوافع مختلفة تماما، إلى فرض شروطه على العملية.
ومع إعلان "حماس" أن أسلحتها ستسلم إلى مجلس السلام في إطار الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع المستمر منذ ثلاثة أعوام في غزة، لا تزال عقبات وشروط عديدة تعترض طريق التنفيذ، إلى جانب جداول زمنية طويلة تتطلب مزيدا من التفاهمات والتسويات.
وفي ظل تصاعد القلق الدولي حيال أنشطة المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة، قد تكون سياسة المماطلة التي تنتهجها "حماس" مناورة محسوبة من زعيمها خليل الحية، تهدف إلى زيادة الضغط الدبلوماسي على إسرائيل ودفعها إلى اتخاذ إجراءات أكثر حزما في مواجهة عنف المستوطنين.
وبحسب وكالة "أسوشييتد برس"، يقضي الاتفاق بنقل جميع الأسلحة الموجودة بحوزة الشرطة التي تديرها "حماس" إلى لجنة التكنوقراط الفلسطينية المدعومة من الولايات المتحدة، والمعروفة باسم "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، فور وصولها إلى القطاع؛ بيد أن توقيت هذه الخطوة لا يزال غير محسوم، إذ يتوقف على استكمال إجراءات أخرى تمهد لها.
وعقب وصول اللجنة الفلسطينية وانتشار القوات الدولية، يُفترض أن تبدأ عملية إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة وإيداعها في المستودعات، بالتوازي مع تفكيك مواقع الإنتاج العسكري والأنفاق. ويربط الاتفاق تنفيذ هذه الخطوات بانسحاب إسرائيلي تدريجي.
يعد نزع سلاح "حماس" شرطا أساسيا لفتح الطريق أمام تنفيذ بقية بنود خطة ترمب المؤلفة من 20 نقطة، ومن بينها دخول "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" إلى القطاع، ونشر "قوة الاستقرار الدولية"
ويعد نزع سلاح "حماس" شرطا أساسيا لفتح الطريق أمام تنفيذ بقية بنود خطة ترمب المؤلفة من 20 نقطة، ومن بينها دخول "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" إلى القطاع، ونشر "قوة الاستقرار الدولية"، وبدء عملية إعادة الإعمار التي باتت غزة في أمسّ الحاجة إليها.
في المقابل، يبقى انسحاب إسرائيل من القطاع مطلبا رئيسا. لكن بدلا من تقليص وجودها العسكري منذ بدء وقف إطلاق النار، وسعت إسرائيل نطاق سيطرتها على أراضي غزة بصورة ملحوظة، لترتفع من نحو 53 في المئة من مساحة القطاع في أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى قرابة 70 في المئة في الوقت الراهن.
ويجعل إصرار "حماس" على عدم البدء بنزع سلاحها قبل انسحاب القوات الإسرائيلية من غزة هذه المسألة عقبة رئيسة أمام الاتفاق، ولا سيما أن نتنياهو، الذي يخوض حملة صعبة لإعادة انتخابه في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، يستبعد أي انسحاب قبل نزع سلاح "حماس" بالكامل.
وعقب الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء في نهاية الأسبوع الماضي، أعلن نتنياهو أن "إسرائيل ترفض الوثيقة المؤلفة من 15 نقطة"، مؤكداً أن الجيش الإسرائيلي "لن ينفذ أي انسحاب إلى أن تنزع "حماس" سلاحها فعليا، وسيواصل إحباط التهديدات التي تستهدف قواتنا ومواطنينا".
ويقول مسؤولون إسرائيليون إنهم أبلغوا البيت الأبيض بوجود "مخاوف أمنية جدية" بشأن اتفاق نزع السلاح المقترح مع "حماس"، في وقت واصل فيه الجيش الإسرائيلي تنفيذ ضربات ضد أهداف داخل غزة، في خطوة تعكس إحجام الحكومة الإسرائيلية عن إنهاء تدخلها العسكري في القطاع. ووفقا للتقييم الاستخباراتي الإسرائيلي، لا تزال "حماس" عازمة على إعادة بناء قدراتها العسكرية بدلا من المضي فعليا في نزع سلاحها، وهو ما تستند إليه إسرائيل لتبرير رفضها الانسحاب من غزة قبل نزع سلاح الحركة بالكامل.
وقال مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى: "نرى أننا إذا أعدنا انتشار قواتنا قبل نزع سلاح (حماس) فعليا، فإنها ستوسع وجودها سريعا في أنحاء غزة، وتعيد بناء بنيتها التحتية الإرهابية، وتهدد التجمعات الإسرائيلية من جديد، وتسعى إلى تنفيذ هجوم آخر على غرار هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول"، في إشارة إلى الهجوم الذي شنته "حماس" على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويبقى السؤال الأهم الآن هو ما إذا كان ترمب مستعدا لممارسة الضغط الكافي على الطرفين لكسر حالة الجمود الراهنة، ودفعهما نحو تنفيذ اتفاق يفضي فعليا إلى نزع سلاح "حماس"، وفي الوقت نفسه إقناع إسرائيل بسحب قواتها العسكرية من غزة.