هناك سحر في المعلقات العشر، كأنها جمعت أسرار العربية وعجائبها، قوتها وبلاغتها، ذاكرتها وخيالها في قالب واحد، فحفظت لنا منطق العرب، وخصالهم، وحكاياتهم، وأيامهم، وحروبهم وأنسابهم. والمذهل أكثر أن هذا النضج والاكتمال ظهر في أقدم ما وصل إلينا من النصوص العربية، فجاءت البدايات، وكأنها ولدت كاملة، في تمام مجدها، وذروة إبداعها.
قيلت هذه المعلقات التي تعرف بـالمـذهبات والسموط والجاهليات والسبْع أو العشر الطوال، قبل قرابة خمسة عشر قرنا، وحملتها الرواية قبل أن تخدمها كتب الاختيارات والشروح. اشتهرت أولا سبعا، ثم اتسع عقدها إلى عشر بإضافة قصائد النابغة الذبياني، والأعشى، وعبيد بن الأبرص. وما بقي منها عبر القرون هو خلاصة اجتازت امتحانا قاسيا، فقد ضاع كثير من الشعر القديم، وصمدت النصوص التي امتلكت من القوة ما يدفع الرواة إلى حفظها، والقبائل إلى تناقلها، والعلماء إلى شرحها.
كان الزمن أول ناقد للمعلقات، وكان النسيان امتحانها الأصعب. واجتمع لها نوعان من الحفظ: حفظ الصدور الذي صان نغمها وحضورها، وحفظ الكتب الذي ضبط ألفاظها وفتح معانيها للأجيال المتعاقبة.
وسر بقاء المعلقات وصمودها عبر الزمن كامن في أنها تحمل عالما كاملا داخل القصيدة. فيها الحب والليل والمطر والفرس والناقة والرحلة، وفيها الحرب والصلح والفخر والحكمة والخوف من السلطة وتأمل الموت وتقلب الدهر.
في معلقة امرئ القيس قلق العاشق وجموح المغامر، وفي معلقة طرفة تمرد الشباب وإحساسه بقصر الحياة، وفي معلقة زهير حكمة من خبر الحرب وسعي لإطفائها، وفي معلقة عنترة يمتزج الحب بالشجاعة وجرح الإقصاء، وفي معلقتي عمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة تتجسد السياسة والمرافعة أمام الملك... هي عشر قصائد نعم، لكن في داخلها مكتبة من أيام العرب وقيمهم وأمثالهم وأسئلتهم عن المجد والمصير.
لهذا غدت المعلقات أيقونة أدبية للشخصية العربية في طورها الأول الأصيل. إنها تكشف العربي في قوته وتناقضه: شجاعته وخوفه، كرمه واعتداده، وفاءه وثأره، تعلقه بالمكان وارتحاله الدائم.
وكما تستدعي الإنكليزية شكسبير، والروسية بوشكين، والفرنسية هوغو، تستدعي العربية عقدا كاملا من عشرة شعراء تتجاور أصواتهم لتؤلف صورتها الأدبية الأولى. وخصوصية هذه الصورة هي سر عالميتها، فقد خرجت من أرض الجزيرة العربية، بأسمائها وديارها وحيواناتها وحروبها، ثم بلغت مشاعر يعرفها كل إنسان، الحنين إلى مكان مضى، والخوف من الموت، والرغبة في المجد، والبحث عن سر هذا العالم المتقلب.
كما تستدعي الإنكليزية شكسبير، والروسية بوشكين، والفرنسية هوغو، تستدعي العربية عقدا كاملا من عشرة شعراء تتجاور أصواتهم لتؤلف صورتها الأدبية الأولى
لقد جاء بعدهم أبو تمام والمتنبي والمعري وغيرهم، وتطورت أغراض الشعر وأساليبه، وازدهرت علوم النحو واللغة والبلاغة والنقد، واتسعت العربية لعلوم وفلسفات ومعارف جديدة، وبقيت المعلقات في مقام المعيار، والمرجع، والنموذج للشعر العربي.
ومن هنا أصبحت المعلقات مدرسة للسان. جعلها العلماء ميدانا لشرح الغريب، وتوجيه الإعراب، ودراسة الصرف والبلاغة، والاستشهاد على طرائق العرب في تركيب الكلام. ومن ابن الأنباري والنحاس إلى الزوزني والتبريزي، نشأت حولها سلسلة من الشروح حولتها إلى موسوعة معرفية.
وفي تاريخ التعليم الإسلامي وحلق العلم والكتاتيب نجد أن الطالب يبدأ بدراسة القرآن والحديث، ثم يحفظ عيون الشعر العربي القديم، حيث دخلت المعلقات مبكرا في صميم التكوين اللغوي والمعرفي للناشئة. فقد روى ابن الأنباري أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري: "مُرْ من قبلك بتعلم العربية، فإنها تدل على صواب الكلام، ومُرهم برواية الشعر، فإنه يدل على معالي الأخلاق"، وقالت عائشة: "روّوا أولادكم الشعر تعذب ألسنتهم". وينقل عن عبدالملك بن مروان قوله لمؤدب أولاده: "روّهم الشعر، روّهم الشعر يمجدوا وينجدوا"، لقد كانت المعلقات مدرسة للعربية، يتعلم منها الناشئ جزالة اللفظ، وحكمة العرب، وطرائقهم في التعبير.
والأعجب أن الإنسان العربي ما زال إلى اليوم، بعد كل هذه القرون الموغلة في القدم، يسمع المعلقات فيستلذ بها ويطرب لها، وحين تعترضه بعض ألفاظها الغريبة تستقبل الأذن الوزن والقافية وقوة العبارة، ثم يأتي الشرح فيرفع الحجاب عن الصورة. تبدأ الصلة بالموسيقى، ويكملها الفهم، فيكتشف السامع أن المسافة اللغوية أقصر كثيرا من المسافة الزمنية، والغريب فيها باب يحتاج إلى مفتاح صغير، ما إن يشرح حتى تنقلب الكلمة القديمة مشهدا حيا.
يكفي أن نتوقف عند زهير بن أبي سلمى في معلقته، وقد عاد إلى ديار أم أوفى بعد عشرين عاما، فلم يتعرف إليها إلا بعد تأمل، فقال:
أثافي سفعا في معرس مرجل
ونؤيا كجذم الحوض لم يتثلم
تأمل الشطر الأول، ففي أربع كلمات يرسم زهير حياة كاملة غاب أهلها: "الأثافي" حجارة الموقد الثلاث التي توضع عليها القدر، فتحدد شكل المكان وطبيعته، و"سفعا" تصف سوادها المشوب بالحمرة من طول ملامسة النار، و"المعرس" موضع النزول والاستراحة آخر الليل، ثم استعمل لمكان نصب القدر، و"المرجل" قدر الطبخ الذي يستحضر الطعام والأيدي والناس المجتمعين حوله. لقد وصف زهير آثار أهل الدار، فحضروا من خلال غيابهم، واختصرت الحجارة السوداء نارا، وبيتا، وألفة، وحياة كاملة.
مرآة عمرها خمسة عشر قرنا، ما زال العربي يتعرف فيها إلى ملامحه، ويتلمس بها روحه، ويكتشف ذاته
وهنا تكمن معجزة المعلقات، لغة تكثف الزمان والمكان والإنسان في كلمات معدودة. ولهذا بقيت خالدة عبر القرون، وما زالت تتردد بيننا كأنها قيلت بالأمس القريب. وكلما أصغى إليها الإنسان العربي سمع صوت أسلافه وشيئا من نفسه في آن واحد، لغته الأولى، وحنينه إلى المكان، وخوفه من الفناء، وشغفه بالمجد. إنها مرآة عمرها خمسة عشر قرنا، ما زال العربي يتعرف فيها إلى ملامحه، ويتلمس بها روحه، ويكتشف ذاته.