زيارة باريس... شراكة بحجم المرحلة

زيارة باريس... شراكة بحجم المرحلة

استمع إلى المقال دقيقة

في مثل هذه الزيارات، لا تكمن الأهمية في مراسم الاستقبال أو عدد الاتفاقيات فقط، وإنما في التوقيت وما يحمله من رسائل، وقد جاءت زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا في لحظة شديدة الحساسية، تتداخل فيها أزمات الطاقة والملاحة مع الحروب وتحولات النفوذ، وتزامنت الزيارة مع مرور مئة عام على إقامة العلاقات السياسية بين الرياض وباريس، ومن يقرأ هذا التزامن يدرك أن المحافظة على علاقة عمرها قرن لا تتحقق بالاحتفاء بتاريخها، وإنما بقدرة القيادات على تجديدها وتحويلها إلى شراكة تستجيب للمتغيرات العالمية.

الواقع أن باريس تدرك أن أي مقاربة جادة لقضايا المنطقة أو أمن الطاقة والممرات البحرية لا يمكن أن تتجاوز السعودية، بما تملكه من ثقل سياسي واقتصادي، ومكانة عربية وإسلامية، ودور مؤثر في صناعة الاستقرار، وفي المقابل تدرك الرياض أهمية فرنسا بوصفها قوة أوروبية ذات وزن سياسي واقتصادي وعسكري، وعضوا دائما في مجلس الأمن يمتلك حق النقض، وصاحبة تأثير داخل الاتحاد الأوروبي، ومن هنا يأتي الحرص المتبادل على تطوير العلاقة ضمن نهج سعودي أوسع يقوم على توثيق الشراكات مع القوى الكبرى والمحافظة على توازنها، دون الدخول في اصطفافات أو محاور، والسعودية لا تفاضل بين العواصم، وإنما تقيس كل علاقة بما تحققه من مصالح وقدرة على خدمة أمنها وتنميتها.

وقد اختبر البلدان قيمة هذا التقارب في القضية الفلسطينية، حين ترأسا المؤتمر الدولي في نيويورك عام 2025 للدفع نحو التسوية السلمية وتنفيذ حل الدولتين، ثم عملا عبر "إعلان نيويورك" على إعادة القضية إلى صدارة الاهتمام الدولي، وأسهم هذا التحرك في الدفع بموجة اعترافات دولية، حتى بلغ عدد الدول المعترفة بفلسطين 159 دولة، ومن خلال هذا الرقم ندرك ما تحقق عندما التقت المكانة السعودية بالتأثير الفرنسي داخل أوروبا ومجلس الأمن، وخلال الزيارة جدد الجانبان دعمهما لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967، ورفضا المساس بوحدة الأراضي الفلسطينية أو تقويض فرص الحل عبر الاستيطان والعنف، وعبر هذا التنسيق تستطيع الدول العربية إيصال مواقفها إلى المؤسسات الدولية، بدل أن تبقى حبيسة البيانات.

تمثل باريس محطة مهمة في سياسة سعودية أوسع لا تحصر قرارها في بوابة دولية واحدة، والمعيار هنا هو مقدار ما تضيفه كل شراكة إلى المصلحة الوطنية، وما تمنحه للسعودية من قدرة على التحرك والتأثير

في لبنان، يتفق الطرفان على دعم مؤسسات الدولة والجيش، وتنفيذ القرار 1701، وحصر السلاح بيد الدولة، لأن أي حديث عن استقرار حقيقي يفقد معناه ما لم تستعد المؤسسات اللبنانية قرارها وسيادتها، كما يلتقيان في الملف السوري على أولوية الحفاظ على وحدة سوريا ودعم تعافيها الاقتصادي، وقد رحبا بتأسيس مجلس أعمال سعودي-سوري-فرنسي، وهنا تبرز مقاربة جديرة بالاهتمام، إذ يتعامل البلدان مع سوريا كدولة يمكن أن تستعيد دورها من خلال الاستثمار وإعادة الإعمار وفتح طرق التجارة بين الخليج وأوروبا وآسيا.

وإذا كان التوافق السياسي يوضح مساحة الرؤية المشتركة، فإن التعاون الدفاعي والاقتصادي يكشف عمق المصالح التي تسندها، إذ يمثل الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجية انتقالًا من التنسيق المرتبط بالزيارات إلى عمل مؤسسي أكثر انتظاما، ولا أرى أن القيمة تكمن في عدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بقدر ما تكمن في تنوعها بين الدفاع والتسليح والتدريب، والصحة، والذكاء الاصطناعي، والطاقة والترفيه والثقافة، كما أن تمديد شراكة العلا حتى عام 2035 وإقامة مشروع للقدية قرب باريس يعكسان صورة تتجاوز مفهوم الاستثمار المباشر، ومن خلالهما نرى السعودية تستفيد من الخبرة الفرنسية في مشاريعها الوطنية، ثم تنقل نموذجها وخبرتها الاستثمارية إلى واحدة من أهم الأسواق الأوروبية.

في تقديري، تمثل باريس محطة مهمة في سياسة سعودية أوسع لا تحصر قرارها في بوابة دولية واحدة، والمعيار هنا هو مقدار ما تضيفه كل شراكة إلى المصلحة الوطنية، وما تمنحه للسعودية من قدرة على التحرك والتأثير، ثم ما ينعكس من ذلك على أمن المنطقة وقضاياها، فكلما ارتبطت القوى الكبرى اقتصاديا وسياسيا باستقرار الشرق الأوسط، ارتفعت كلفة تجاهل أزماته واتسعت فرص الوصول إلى حلول قابلة للتطبيق، ولهذا تحرص الرياض في هذا التوقيت الحساس على المشاركة في صياغة التوازنات الجديدة، بدل انتظار ما يقرره الآخرون ثم التعامل مع نتائجه.

font change