وتتوالى الخطوات نحو سوريا الدولة الموحدة المستقرة... وتتوالى الخطوات نحو سوريا الدولة الطبيعية التي لم يعرفها جيلي، ولا أجيال سابقة ولاحقة؛ سوريا التي- ولأول مرة منذ عام 1979- ليست دولة راعية للإرهاب، بل دولة شريكة مع العالم في محاربة الإرهاب. سوريا التي لم تعد خاضعة لعقوبات بسبب نظام اختطفها، واختطف شعبها رهينة على مدى عقود، ونشر القتل والفساد والإرهاب والترهيب داخل حدودها وخارجها. سوريا التي لم نعد نخافها.
سوريا موحدة يتعرف شعبها إلى بعضه بعضاً. نعم، نحن لم نكن نعرف بعضنا، ولم يكن مسموحاً لنا أن نعرف بعضنا. ومن لا يعرف أن السوريين كانوا يخافون بعضهم؟ كانوا يخافون أن يهمسوا همساً، وكانوا يخافون حتى من أفكارهم.
الولايات المتحدة تعلن رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
وبقرار جريء وشجاع، أعلن الجنرال مظلوم عبدي حل "قوات سوريا الديمقراطية"، واندماج عناصر التنظيم في الدولة السورية. سبق ذلك مرسوم رئاسي أصدره الرئيس أحمد الشرع، أعطى السوريين الأكراد حقوقهم؛ وهي حقوق حُرموا منها منذ عقود طويلة. كل شيء في سوريا تغير.
وهنا لا بد من القول إن القرار الجريء اتخذه بداية الرئيس أحمد الشرع أيضاً، حين أصر على الحل السياسي مع "قسد"، رغم الضغوط الداخلية والإقليمية التي كانت تدعو إلى فتح معركة واستسهال إراقة دماء السوريين.
سوريا لا تخشى السلام، ونحن من كبرنا على شعارات أن السلام خيانة، وأن الحروب وحدها، والموت وحده، هما من يحفظان كرامتنا.
ما يعتبره العالم أمراً بديهياً لا يتوقف أحد عنده، نحن السوريين نراه إنجازاً تحقق. صار بإمكاننا اعتماد "الدفع الإلكتروني". نحن شعب كان الحصول على "الموز" بالنسبة إليه حلماً وغاية.
في رحلتي من دمشق إلى مدينتي طرطوس، سألت السائق الذي أعرفه منذ كان والده يرافقني في الطريق من طرطوس إلى الجامعة الأميركية في بيروت: كيف ترى الأوضاع؟ فكان جوابه صادماً بالنسبة لي بعض الشيء: "ماذا نريد أفضل؟".
أبديت تعجبي مازحة: "بدنا نروق". فقال لي: يكفي أننا نقول رأينا دون خوف من جارنا وزميلنا.
أخبرني كيف حافظت المدينة على خصوصيتها، وكيف أن التعايش فيها لم يتأثر بكل التحريض المستمر من بقايا الأسد، من خارج الحدود وداخلها. وعبّر عن امتعاضه وسخريته ممن كانوا من أشد الداعمين للأسد، وأطلقوا اليوم اللحى ليثبتوا ولاءهم للسلطة، في إشارة إلى من نُطلق عليهم في سوريا اسم "المكوعين".
قريباً ستنتهي سوريا من رحلة الانتقال السياسي في السياسة الخارجية، وتطوي حقبة دولة الأسدين وتبعاتها على سوريا نفسها وعلاقاتها مع العالم
ونحن نغادر دمشق، مروراً بجوبر وحرستا وغيرهما من المناطق المدمرة، رأينا ما ارتكبه بشار الأسد بحق السوريين.
تمنى هذا الشاب أن يتم تسليم بشار ليُحاكم في سوريا. هذا الشاب ينتمي إلى عائلة رفضت الانضمام إلى الجيش والأمن أيام الأسد. باع والده كل ما يملك ليرسل أولاده إلى لبنان كي لا يأخذهم الأسد لقتل السوريين.
ومع ذلك، قبل عام، وكنت حينها في طرطوس واحتجت إلى الذهاب إلى دمشق لبضع ساعات، اتصلت به ليوصلني، فرفض. قال لي: "أنا لا أجرؤ على الخروج خارج حدود محافظة طرطوس". يومها لم أستطع إقناعه بأن أحداً لن يتعرض له.
رحلة هذا المواطن خلال عام تشبه رحلة سوريا الجديدة؛ حيث بدأ الخوف من بعضنا بعضاً يتلاشى. ما زال الطريق طويلاً، ولكن لا يمكن لعاقل ومحب لهذا البلد إلا أن يعترف بأن ما تحقق كثير.
من رفع العقوبات، إلى إزالة اسم سوريا عن قائمة الدول الراعية للإرهاب، إلى الاتفاق مع "قسد"، إلى عودة سوريا إلى مكانها الطبيعي في قلب العالم العربي، وبناء علاقات جيدة مع محيطها العربي؛ كلها أمور تحققت بسرعة، ولكن ما زال المشوار طويلاً.
لا تزال السويداء خارج معادلة الدولة، وإن كانت في قلب الوطن وضمير الوطنيين. وملف العدالة الانتقالية تحيط به الكثير من التساؤلات
لا تزال السويداء خارج معادلة الدولة، وإن كانت في قلب الوطن وضمير الوطنيين. وملف العدالة الانتقالية تحيط به الكثير من التساؤلات. والوضع الاقتصادي خانق رغم كل شيء، وزادت الحرب الأميركية-الإيرانية من حدته.
الوضع الاقتصادي ليس تفصيلاً يمكن التغاضي عنه أو تأجيله، وقد يكون قنبلة موقوتة بحاجة إلى نزع فتيلها. سوريا بحاجة إلى حلول ابتكارية، لأن ظروفها، بسبب عقود "البعث" والأسد والحرب على السوريين، استثنائية.
في السياسة الداخلية، هناك الكثير ليُكتب عنه؛ من عودة مظاهر "المسؤول" السوري عند البعض، والتي ثار الشعب عليها، إلى محاولات البعض تكميم الأفواه، والتي لم ولن ينجحوا فيها، إلى التضارب في الصلاحيات، وبروز الطموح الشخصي الفاقع عند بعضهم الآخر، وصولاً إلى الغموض في ملفات الانتقال السياسي.
قريباً ستنتهي سوريا من رحلة الانتقال السياسي في السياسة الخارجية، وتطوي حقبة دولة الأسدين وتبعاتها على سوريا نفسها وعلاقاتها مع العالم. وستكثر حينها الأسئلة المشروعة عن رحلة الانتقال الداخلي: عن أي سوريا نريد، وإلى أي سوريا نتجه؟
ما تحقق خلال عشرين شهراً فاق توقعاتنا، ولكنه ما زال دون مستوى طموحاتنا نحن السوريين الذين قدمنا ملحمة من البطولة والتضحية والثبات خلال أربعة عشر عاماً من أجل حريتنا.