"علي الطاهر" أم نتنياهو... من يرسم خريطة اليوم التالي؟

"علي الطاهر" أم نتنياهو... من يرسم خريطة اليوم التالي؟

استمع إلى المقال دقيقة

تتصاعد حدة المواجهة بين الجيش الإسرائيلي ومقاتلي "حزب الله" في تلال علي طاهر المشرفة على مدينة النبطية ومنطقتها في جنوب لبنان، وبرغم أن الطرفين ملزَمان بعدم خرق اتفاق وقف إطلاق النار، تشير الوقائع الميدانية إلى أن عملية عسكرية ضخمة على وشك أن تنطلق، وما يعيقها حتى الآن، كما تشير الوقائع الدبلوماسية، هو رهان الأميركي على إحراز تقدّم في مفاوضات روما، ومحاولة المفاوض الإيراني العودة إلى إسلام آباد.

تدّعي إسرائيل أن تلال علي الطاهر تضم منشأة "عماد 4"، التي كان "حزب الله" قد نشر صوراً وفيديوهات عنها بعنوان "جبالنا خزائننا"، وأن "وحدة بدر" إحدى أذرع "قوة الرضوان" تتخذها مقرا عسكريا تقود منه عملياتها، أما "حزب الله" الذي لم ينفِ أو يؤكد هذه الادعاءات، فيتعامل مع محاولات السيطرة الإسرائيلية على تلال علي الطاهر كخطر مباشر يهدد وجوده وكيانه العسكري وبيئته.

تتشكّل تلال علي الطاهر من سلسلة من المرتفعات (علي الطاهر، الدبشة، الطهرة، الدوحة) التي تتمدد من أعالي كفر تبنيت باتجاه النبطية الفوقا ثم مدينة النبطية وصولا إلى كفر رمان، وتقف كحاجز جغرافي يفصل شرق محافظة النبطية عن غربها، وبموقعها على الحافة بين الاتجاهين، تمنح من يسيطر عليها قدرة على رصد الأراضي الحدودية في عمق منطقة جنوب نهر الليطاني، والتحكّم أمنيا بسهول ووديان وممرات وجبال في منطقة شمال النهر، وتشكّل مع قلعة الشقيف ومرتفعات إقليم التفاح وجبل الريحان أهم حصون "حزب الله" في منطقة شمال النهر، والأهم من هذا كله، أنها تمكّن من يقيم فيها من الهيمنة على مدينة النبطية ومنطقتها التي يتركّز فيها الثقل الديموغرافي الشيعي.

بلغة الميدان، لا يرتقي احتلال قلعة الشقيف إلى مستوى الإنجاز العسكري إن لم يكتمل بإخضاع تلال علي الطاهر، كما أنه أيضا يبقى مبتورا إن لم تتبعه سيطرة كاملة على مرتفعات إقليم التفاح وجبل الريحان.

وهذا يعني أن ما نشهده في تلال علي الطاهر قد يكون بداية المعركة وليس نهايتها.

لا يرتقي احتلال قلعة الشقيف إلى مستوى الإنجاز العسكري إن لم يكتمل بإخضاع تلال علي الطاهر، كما أنه أيضا يبقى مبتورا إن لم تتبعه سيطرة كاملة على مرتفعات إقليم التفاح وجبل الريحان


وفي حال أخضعت إسرائيل تلال علي الطاهر، تكون قد ثبّتت موطئ قدم متقدّما لها على مشارف مدينة النبطية تفرض من خلاله حصارا شاملا على بيئة "حزب الله" قبل "حزب الله" نفسه، وفي حال اجتازتها نحو مرتفعات إقليم التفاح وجبل الريحان تكون قد أحكمت الطوق حول "حزب الله" وعزلته عن طرق الإمداد.

أما في حال تمكّن "حزب الله" من إفشال المخطط الإسرائيلي، فسيسجل "انتصارا إلهيا" غير مسبوق، يفوق باستثنائيته "إنجاز التحرير" و"انتصار تموز"، ومن المتوقّع أن يهدي هذا الانتصار لإيران لتصرفه في مضيق هرمز ولتحسين شروطها في إسلام آباد، كما سيعيد في الداخل اللبناني من خلاله ترميم هيبته التي فقدها بفعل هزائمه المتلاحقة أمام الزحف الإسرائيلي، ويحيي ظروف الغلبة التي خسرها على مدى ثلاث سنوات من الحرب.

بلغة السياسة، يحتاج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تحقيق نصر ميداني في معركة علي الطاهر، لإحراز فوز سياسي في الانتخابات التشريعية (أعضاء الكنيست) في أواخر أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

المنتصر عسكريا في علي الطاهر يقرر: يقود سفينة المفاوضات كما تشتهي رياحه، ويحدد شروط التسوية، ويكتب بنود الاتفاق، ويرتب المنطقة أمنيا وسياسيا، أما الخاسر فيودّع التلال والمضائق والسياسة والانتخابات والإنجازات


ففي حال سقطت تلال علي الطاهر سوف يحوّلها مباشرة إلى منطقة تجريبية جديدة، ليستخدمها لاحقا في أية جولة تفاوضية جديدة مع الطرف اللبناني، كشرط في عملية نزع سلاح "حزب الله" في منطقة شمال النهر، من دون أن يكون المقابل هو الانسحاب من المواقع المحتلة فيها (قلعة الشقيف وزوطر الشرقية ويحمر وأرنون) كما حصل في زوطر الغربية.

بمعنى آخر، سوف يعفيه النصر الميداني من التراجع إلى ما خلف النهر، ليحقق بذلك فوزا دبلوماسيا في روما وسياسيا في الانتخابات.

أما "حزب الله" فهو بحاجة إلى الانتصار في معركة علي الطاهر ليعيد الحرب إلى مربعها الأول، أي المواجهة بين إيران وإسرائيل على أرض لبنان، وهي مواجهة تخدم إيران لإحداث ضغط مأمول في المفاوضات، بعدما أفرغت المراوحة ورقة مضيق هرمز من مضمونها، وحوّلتها من معركة استراتيجية إلى أزمة طاقة عالمية، ولذلك سمعنا رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف مؤخرا يقول إنه على "تواصل مع مقاتلي "حزب الله" في الجنوب واحدا واحدا"، ليعطي انطباعا بأن النظام الإيراني مهتم بالمعركة.

المنتصر عسكريا في علي الطاهر يقرر: يقود سفينة المفاوضات كما تشتهي رياحه، ويحدد شروط التسوية، ويكتب بنود الاتفاق، ويرتب المنطقة أمنيا وسياسيا، أما الخاسر فيودّع التلال والمضائق والسياسة والانتخابات والإنجازات.

font change