طهران وهاجس الجماعات الكردية المعارضة

طهران وهاجس الجماعات الكردية المعارضة

استمع إلى المقال دقيقة

في الآونة الأخيرة تصاعدت حدة الهجمات الصاروخية لإيران وميليشياتها العراقية، على مواقع عسكرية تابعة للجماعات الكردية المعارضة للنظام الإيراني، المتمركزة داخل إقليم كردستان العراق.

كالعادة، تذرّعت طهران لتبرير هجماتها، بحصولها على معلومات أمنية تفيد بأن هذه الجماعات تتجهّز لاقتحام الأراضي الإيرانية من جهة المحافظات الكردية الغربية، تمهيدا لغزو بري أميركي محتمل، لا سيما وأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن في وقت سابق، أن إدارته قد زوّدتها بالسلاح والتدريبات لهذا الغرض.

قبل شروع طهران في الموجة الجديدة من الهجمات، كانت وسائل إعلام إيرانية نشرت تقارير عن محادثات سرية وعمليات تنسيق جرت بين معارضين كرد إيرانيين وضباط أميركيين وإسرائيليين، لتؤكد أن هذه الجماعات باتت تشكّل تهديدا حقيقيا لأمن النظام ووحدة الأراضي الإيرانية والسيادة الوطنية.

ورغم غياب ما يبرهن على صحة هذه التقارير، فإن مجرد إشاعتها كان كافيا بالنسبة إلى طهران، لتعلن حربا وقائية جديدة على المعارضة الكردية الإيرانية، وتطلق موجة هجمات صاروخية على معاقلها في العراق.

من جهتها، نفت المعارضة الكردية، وما تزال، هذه التقارير. وأكدت أنها ليست على استعداد للعب أي دور في الصراع بين إيران وأميركا، في حين اعتبر صحافيون كرد إيرانيون أن اقتحام الحدود لم يكن يوما هدفا استراتيجيا للمعارضة الكردية، بغض النظر عن الظروف والمستجدات، والأهم أن المعارضة الكردية لا يمكن أن تخطط لخلق واقع جديد على أرضية من انعدام الثقة، ذلك أن تجربة "قوات سوريا الديمقراطية" مع الدعم الأميركي، أثبتت أن واشنطن لا تلتزم بوعودها مع الكرد، وهذا كله يضاف إلى ريبتها من العلاقة الودية التي تربط واشنطن بأنقرة، والتي تنتهي دائما بطمأنة أنقرة أمنيا وسياسيا على حساب الحقوق الكردية.

في المقابل، رغم أن النظام الإيراني يدرك محدودية القدرات العسكرية للجماعات الكردية المعارضة، قياسا على ما يتمتّع به "الحرس الثوري" من قوة تسليحية قامعة وسيطرة نارية على المنافذ الحدودية الغربية، يكشف الواقع أن طهران تبالغ في تصوير قلقها من التهديد العسكري الكردي، للتغطية على هاجسها الحقيقي الذي يتمثّل في قدرة المعارضة الكردية الاجتماعية والسياسية على جمع الكرد داخل إيران حول شعار "وحدة شعب كردستان"، وحول قوات "البيشمركة"، باعتبارها كيانا اجتماعيا وثقافيا وعاطفيا يحمي هوية كردستان، وليست مجرد فصيل عسكري.

طهران تبالغ في تصوير قلقها من التهديد العسكري الكردي، للتغطية على هاجسها الحقيقي الذي يتمثّل في قدرة المعارضة الكردية الاجتماعية والسياسية على جمع الكرد داخل إيران حول شعار "وحدة شعب كردستان"

وليس من قبيل المبالغة القول إن النظام الإيراني يعاني من حساسية مرضية تجاه المعارضة الكردية، وشرارة الصراع التاريخي بينهما تشهد على ذلك.

فبعد انتصار ثورة فبراير/شباط 1979، أثارت الأحزاب الكردية، مثل "الديمقراطي الكردستاني" و"كوملة"، غضب الإمام الخميني (مؤسس النظام الإسلامي) لمطالبتها ببعض الإصلاحات الإدارية في مناطقها والحقوق السياسية والثقافية والقومية لشعبها، فأصدر الأوامر بقمعها واستعمال القوة لإخضاعها، وبدأ "الحرس الثوري"، مطلع الثمانينات، ما عُرف بـ"الحرب ضد الكرد".

تصدت الأحزاب الكردية يومها للنظام الجديد عبر أشكال مختلفة من الدفاع والمقاومة والحماية، بدءا من العصيان المدني إلى حركات التمرّد إلى الكفاح المسلّح، فتحولت إلى رمز للهوية الكردية، وانطلاقا من هذه الخصوصية ترفض اليوم ربط نضالها السياسي والعسكري وما تمثّله في الذاكرة الجماعية لكردستان، بالتطورات الأمنية في المنطقة أو بالمطلب الأميركي.

لا شك في أن شراسة الحملات العسكرية "الثورية" أنهكت المعارضة الكردية الإيرانية، وحالت دون تحقيقها حلم انتزاع حقوق شعبها، لكن الزمن أثبت أنها لم تستطع إنهاءها بفعل هذه الممارسات، كما لم تتمكّن من تكبيل نشاطها السياسي برغم الاغتيالات التي نفذتها بحق مسؤوليها في الداخل والخارج، وبرغم القيود المفروضة على حركتها، وبناء عليه، يبدو أنه من الصعب حاليا على طهران، القضاء على القواعد الكردية في العراق عبر تكثيف الغارات الجوية والضربات الصاروخية.

علما أن هواجس طهران قبل الحرب الأميركية من هذه القواعد، مختلفة عنها بعدها. ففي السابق كانت تنظر إليها كبؤرة مزعجة تقع في منطقة حدودية مكشوفة ومعروفة، ما يسمح لها بكبحها بالعمليات العسكرية أو بالضغط السياسي على حكومتي أربيل وبغداد، أما اليوم، فتنظر إليها كبيئة مناسبة يمكن أن تستغلّها واشنطن أو تل أبيب لفتح جبهة داخلية ضدها.

بذلك لا يكون هدف طهران من الضربات الصاروخية الجديدة شلّ نشاط الجماعات الكردية المعارضة عسكرياً فحسب، بل محاولة لهندسة البيئة الأمنية على حدودها الغربية بطريقة آمنة، تحاشيا لأي حدث محتمل على الحدود.

font change