جوزيف عون في النبطية… زيارة بمعانٍ كثيرة

وصل عبر طريق الآلام

جوزيف عون في النبطية… زيارة بمعانٍ كثيرة

استمع إلى المقال دقيقة

لم يتأخّر رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون في الاستجابة لـ"نداء النبطية الثاني". صباح السبت الماضي وصل إلى مدينة النبطية الجنوبية بمعيّة قائد الجيش رودولف هيكل ووفد أمني، في زيارة مفاجئة.

كان "نداء النبطية الثاني" قد صدر قبل الزيارة الرئاسية بعدة أيام، موقّعا بأسماء أكثر من 600 شخصية وطنية، غالبيتهم من المعارضين الجنوبيين ومن عائلات مدينة النبطية، على أثر سقوط تلال علي الطاهر بيد الجيش الإسرائيلي، وانتقال التهديد الأمني إلى المدينة التي تقع عند سفحها.

و"نداء النبطية الثاني" واحد من بين أربعة نداءات صدرت باسم مدينتي النبطية وصور خلال الأشهر الأربعة الأخيرة، دعت إلى إعلان المدينتين منطقتين خاليتين من السلاح، وطالبت بدخول الجيش اللبناني إليهما لحمايتهما من المصير الذي شهدته مدينة بنت جبيل وأخواتها في وقت سابق.

إذ يتّفق الموقّعون علنا على النداءات الأربعة ومن يؤيدونها سرا، على أنه لا نجاة لما تبقّى من حواضر الجنوب من عمليات المحو والإبادة التي ينفذها الجيش الإسرائيلي تباعا، إلا من خلال تسليمها للقوى الشرعية، وتحريرها من سطوة القرارات الحزبية الانتحارية.

انطلقت النداءات الأربعة من هوامش تعاني منذ عقود استبعادا وقمعا وتنكيلا من قِبل "حزب الله" وبيئته، ولكنها برغم الضغوط التي تعرّضت لها لم تساوم يوما على أصالتها وإخلاصها لبيئتها، وظلت في الوقت نفسه محافظة على لغتها المدنية متمسّكة بهويتها الوطنية، لذلك شكّلت مجتمعةً؛ وبالأخص "نداء النبطية الثاني" الذي أثمر الزيارة الرئاسية وانتشارا محدودا للجيش اللبناني في المدينة، لحظة مفصلية في تاريخ الجنوب وخرقا للإجماع الشيعي.

فمن ناحية، بشّرت النداءات ببداية مرحلة جديدة في فهم المجتمع الجنوبي الشيعي لذاته، ومن ناحية أخرى، كشفت عن ملامح مواطنة شيعية جنوبية لم تكن تجرؤ على الظهور والتعبير عن نفسها من قبل.

فضلا عن أنها أثبتت أن العمل الوطني الصادق مهما كان محدودا في حجمه وإمكاناته، باستطاعته أن يؤثّر في المجال العام والواقع السياسي، وأن المعارضة الشيعية بمقدورها أن تنتقل من الهامش إلى المركز، وأن تنتظم ضمن إطار سياسي موحّد وتطرح حلا عقلانيا وهادئا وسط التوتر السياسي والتصعيد العسكري، وأن تدفع الدولة إلى تلبية مطالبها؛ الرئيس عون بنفسه قال في النبطية إن زيارته أتت تلبية للنداء.

لهذه الأسباب وغيرها، لا يمكن التعامل مع النداءات الأربعة باعتبارها صوت استغاثة لحماية المدن الشيعية من الخطر الإسرائيلي فحسب، إنما كمحاولة لنزع صفة العسكرة عنها، وإعادتها إلى نطاقها المدني الاجتماعي والثقافي، وكسر الصورة النمطية التي اختزلتها ضمن إطار سياسي واحد. كما لا يمكن وصفها بأنها مجرد حراك اعتراضي بل بمثابة "ثورة ثقافية"، تحدّت سلطة الإكراه التي يمارسها "حزب الله" على الطائفة الشيعية وعلى الجنوب، لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي تحميلها أكثر من قدرتها على الاحتمال، كونها لا تملك سوى سلطة معنوية فقط.

علاوة على أهمية الزيارة، فقد قدّم برنامجها دلالات على أن النبطية ترحّب بالدولة على المستويين الرسمي والشعبي، وأنها تتوق إلى عودة الأمن والأمان

توازيا، أثارت النداءات الأربعة، بطبيعة الحال، غضب "حزب الله" وبيئته وجمهوره، فقللوا من قيمتها وجدواها، واعتبروها صوتا ناشزا لا يملك صدى اجتماعيا يُعتدّ به، إذا ما قِيس بميزان الأكثرية وحجم التأييد الذي يحظى به "حزب الله" داخل البيئة الشيعية.

علاوة على أهمية الزيارة، فقد قدّم برنامجها الذي يبدو أنه تم إعداده وتنسيقه بدقة عالية، بدءا من المرافقة الرسمية التي مثّلت الثنائي الشيعي (نائب المدينة ناصر جابر ورئيس بلديتها عباس فخر الدين)، إلى الحضور الشعبي البسيط والتعليقات على السوشيال ميديا، دلالات على أن النبطية ترحّب بالدولة على المستويين الرسمي والشعبي، وأنها تتوق إلى عودة الأمن والأمان.

أما على المستوى الدولي، فقد أتت الزيارة في لحظة دبلوماسية حساسة على وقع تعثّر مفاوضات روما، وقد أشار الرئيس عون إلى هذا الأمر في جولته، مكررا ثوابته: الانسحاب الإسرائيلي وعودة الأسرى والنازحين وإعادة الإعمار.

وصل الرئيس اللبناني إلى النبطية عبر طريق الآلام؛ النيران ما زالت مشتعلة في تلال علي الطاهر وتكاد تتمدد نحو قلب المدينة، واحتمال توسّع الحرب ما زال قائما، فيما تبدو مفاوضات روما معلّقة، فعكست زيارته حسا أخلاقيا ووطنيا صادقا، لا شك في أنه سوف يترك أثرا طيبا في الوجدان الشعبي. وربما إذا تحققت الآمال المعقودة عليها، سوف تهيئ الظروف مستقبلا، لخروج النبطية من منطق الدويلة إلى كنف الدولة، وانتقال أهلها من الرعوية إلى المواطنة، وربما سوف تكشف أن تحرير الأرض ممكن بالطرق الدبلوماسية أيضا.

font change